|
ابواب التآخي |
كل ثلاثاء
صانعو النكتة يموتون كمداً
خالد
جبر
الرسم الكاريكاتيري من الفنون الصعبة لانها تخاطب الناس مباشرة بشكل ساخر
ولاذع وترى رسام الكاريكاتير يحمل هموم الاخرين ليجسدها في نهاية المطاف
بفكرة تنفذ اما بالحبر الاسود او الملون وقد اعتاد العراقيون على قراءة
الصحف اليومية من الصفحة الاخيرة وخاصة رسم الكاريكاتير الذي يختصر مقالاً
كاملاً.
ورسام الكاريكاتير يعتمد في الرسم والتكوين على موهبته والتي يتم تطويرها
يوماً بعد يوم معتمداً على المجلات الاجنبية مثل(دير شبيغل وشتيرن
الالمانية والتايم ونيوزويك) فضلاً عن المجلات والصحف العربية فيصبح للرسام
اسلوب متميز في الرسم الكاريكاتيري فالرسام المصري الكبير صلاح جاهين يعتبر
مدرسة فنية عربية في هذا المضمار فهو يجمع بين الفكرة الجيدة وبين التنفيذ
وكذلك الرسام جمعة فرحات والذي تربطني به علاقة جيدة منذ نهاية الثمانينات
فكان يعمل وينشر رسومه في اكثر من 150 مطبوعاً وهو الان يقوم باعداد وتقديم
برنامج عن الكاريكاتير في التلفزيون المصري تحت عنوان (جمعة في يوم جمعة)
يتناول كل ماتم نشره في الصحف العالمية والعربية من احداث ولكن بصورة
كاريكاتيرية خلال الاسبوع .
وفي الوطن العربي اسماء كثيرة لرسامين كاريكاتيريين لهم الحضور الدائم
برسومهم على صفحات المجلات والصحف وخاصة مدرسة روز اليوسف والتي انجبت
عمالقة الفن منهم مصطفى حسين وبهجوري وحجازي ورمسيس ورخا وعشرات غيرهم
الذين ارسوا قواعد هذا الفن الجميل، وفي عراقنا هناك مبدعون في هذا المجال
كالرسام غازي عبد الله وحميد المحل وسامي سامي ومؤيد نعمة وضياء الحجار
وعلي المندلاوي وعباس فاضل وخضير الحميري وعادل وعامر وبسام فرج وغيرهم
اخرين نشاهد ابداعاتهم على الصفحات الاخيرة للصحف العراقية،وكانت لدينا
مجلات متخصصة لرسم الكاريكاتير الساخر كمجلة المتفرج ومجلة الفكاهة.
فضلاً جريدة الراصد والتي كانت تنشر مع مواضيعها رسوم كاريكاتيرية وذلك حسب
رغبة رئيس تحريرها مصطفى الفكيكي والسيدة عالية ممدوح وقد عملت فترة طويلة
في هذه الجريدة مع زميلي الصحفي صباح اللامي وكانت طباعتها تتم بطريقة
متخلفة جداً التنضيد على اللانيو وعمل الكلائش النحاسية .
ولكنها تقدم للقارىء معلومة جيدة وصور كاريكاتيرية ولوحات عالمية ناجحة.
ورسام الكاريكاتير في خريف العمر تنتابه نوبات من الكآبة والحزن ويموت
مهموماً وحيداً مثلما حصل للفنان صلاح جاهين والرسام غازي عبد الله والرسام
عباس فاضل وبمرور الايام يتم نسيانه وتندثر اعماله لانها كانت تخاطب الناس
لمرحلة ما.فمن منا الان يتذكر اعمال الرسام بسام فرج او الرسام سامي سامي
وحتى الرسام مؤيد نعمة،فبرحيل رسام الكاريكاتير يتوقف ابداعه ويصبح نسياً
منسياً.الا من اصدقائه المخلصين المحبين لفنه فسيذكرونه دائماً على صفحات
الجرائد وفي المحافل العامة بكل خير واحسان.
سوزان فالادون .. موديل الفنانين الانطباعيين
ولدت الفنانة " سوزان فالادون " في 23 سبتمبر عام 1865 , من أب مجهول ,
وأعطتها أمها - التي كانت تعمل في غسل بياضات المنازل - إسم " ماري -
كليمونتين فالادون " . عام 1870 إنتقلت برفقة والدتها الى باريس . والتحقت
بالمدرسة , غير أنها لم تكن منضبطة ,وفيما بعد فضلت العمل بالسيرك , وبعد
تركها له , إختارت أن ترسم على الأرصفة , وبين عامي 1875 - 1880 عملت
كموديل لعدد من الفنانين , بينهم " بيير بيفيس دو شافان " و " رينوار " -
وهو من مواليد نفس البلدة التي ولدت فيها الفنانة في الجنوب الفرنسي -
وكذلك عرضت للفنان " تولوز دو لوتريك " . في 26 ديسمبر 1883 أنجبت إبنها
الوحيد " موريس " من أب مجهول أيضاً . وفي عام 1891 إعترف الصحفي الأسباني
" ميغيل إيتريللو أي مولان " بإبوته . ومنه حمل الفنان " موريس " إسم
العائلة " أوتريللو " . وهو نفس العام الذي يحمل تاريخ أول لوحات " سوزان
فالادون " المعروفة .
سكنها في حي " مونمارتر " بباريس وطد علاقتها بالكثير من الأنطباعيين الذين
كانوا في تلك الفترة يقيمون في هذا الحي الشهير . وبين عامي 1883 - 1893
نفذت " سوزان " الكثير من الرسومات بالفحم وقلم الرصاص والأقلام الملونة ,
وبدا تأثير الفنان " ديغا " واضحاً على أعمالها في تلك المرحلة . فبادر "
ديغا " لتعليمها الحفر ومن ثم أصبح من أوائل المشترين لأعمالها . حاولت
تعليم إبنها الرسم ومدته بالألوان والمواد اللازمة , غير أنه فضل أن يترك
منزل والدته , وقضى بعدها سنوات طويلة غارقاً في الشراب والسكر , ثم فجأة
عاد الى المنزل وبدأ الرسم . وأنتج أعمال مهمة كأنها تاريخ لمدينة باريس
وشوارعها وأحيائها . وهي موجودة في أكبر متاحف العالم . وفي مدينة " سانوا
" يوجد اليوم " متحف أوتريللو - فالادون " حيث يضم مجموعة كبيرة من أعمال
الفنان : " موريس أوتريللو " وأعمال أمه الفنانة " سوزان فالادون " .
وفي الفيلم الأخير الذي أنتجته السينما الفرنسية عن حياة الرسام " لوتريك "
لعبت الممثلة الفرنسية " السا زيلبرشتاين " دور الفنانة " سوزان فالادون "
وجسدت شخصيتها بتفوق باهر .
الفنان ادغار ديغا رسام حياة الليل
اشار عدد من الباحثين في تاريخ الفن الحديث الى ما يشبه الفصام بين تجربة
الفنان الانطباعي الفرنسي ادغار ديغا وحياته (1917-1834), فالموضوعات
الاثيرة لديه في الرسم ليست اثيرة لديه في حياته الخاصة, فهو في حياته يميل
الى العزلة التي كانت اكثر وضوحاً بعد ان تجاوز الخمسين من عمره, وبعد ان
ضعف بصره, تدريجياً, فهو لم يكن يحب النساء والخيول والاطفال والاشياء التي
رسمها ببراعة خاصة, حيث عاش حياته عازباً قلقاً, وتغيرت ملامح شخصيته
وسلوكه الشخصي بين مرحلة واخرى.
فكانت الكآبة تزداد عمقاً كلما ازدادت ايراداته من بيع اعماله, ولم يعد
حريصاً على اللمسات السحرية التي كانت لوحاته الاولى تنتهي بها, حينما كان
يرسم الخيول وكأنها تتحرك على اللوحة ويرسم المستحمات وكأنه يرصدهن من ثقب
الباب, فعلى مدى اثنين وعشرين عاماً تحول ديغا من شاب متوثب الى عبقري كهل
وحزين, وقبل وفاته بخمس سنوات توقف عن الرسم بعد ان فقد بصره تماماً.
ولد في باريس من عائلة غنية, ودرس في كلية الفنون الجميلة على يد الفنان
انغر, حيث تأثر به وكانت اعماله الاولى تتناول وجوهاً عائلية وتاريخية,
وحينما تخلص من تأثير استاذه بدأ يطور نوعاً من الاشكال الخادعة في
لوحاته,, ربما بتأثير من اعمال مانيه وويسلر, اضافة الى تأثير الصور
الفوتوغرافية التي كانت تحبو في مرحلة التطوير, ثم تأثير الفنون الكلاسيكية
الايطالية, حيث زار ايطاليا عدة مرات في شبابه.
ارتبط ديغا بعلاقات وثيقة مع مانيه والمجموعة التي التفت حوله كنواة
للمدرسة الانطباعية التي اخذت اسمها من لوحة مانيه (انطباع) عن شروق الشمس
وكان على علاقة مع كل من رينوار وسيزان ومونيه وسيسلي وبيسارو. سافر ديغا
الى نيو اورليانز في الولايات المتحدة لزيارة اقاربه هناك, حيث اقام لمدة
عامين (1873-1872) ولكنه لم يرسم هناك الا لوحات قليلة, وكانت هذه اللوحات
مع تلك التي رسمها بعد عودته الى باريس تشكل اتجاهاً نحو الموضوعات
المعاصرة, قدمها الى المشاهدين في معرضه الذي اقامه في (الصالون) عام 1870,
واشترك باعمال جديدة في المعرض الجماعي للانطباعيين الذي اقيم بعد اربع
سنوات.
كان ديغا على العكس من بعض جماعة الانطباعيين يعيش حياة ميسورة فلم يكن
محتاجاً الى بيع لوحاته او رسم لوحات تجارية تناسب السوق وتبتعد به عن
الفن.
اعتاد ديغا ان يتردد منذ عام 1875 على نادي (السفراء) حيث اعتاد
الانطباعيون بعدها ان يرسموا مشاهد من الحفلات الغنائية والراقصة ووجوه
الغانيات والزبائن, في تلك النوادي التي دأبوا على ان يتاجمعو فيها في
لقاءات مفتوحة, او في زيارات فردية, وفي هذه الفترة استرجع كتابات اميل
زولا وموباسان في اعمالهم القصصية والروائية التي تحمل مشاهد من الحياة
اليومية في باريس وضواحيها, ولكن هذا النوع من المشاهد يحتاج الى قوة
ملاحظة وحسن اختيار اللحظة, ومهارة خاصة في رسم الحركة, وتظهر هذه البراعة
لدى ديغا في سلاسل من اللوحات عن راقصات الباليه والمستحمات وراكبي خيول
السباق, وكان قد بدأ برسم الراقصات في عام 1873 بعد عودته من الولايات
المتحدة, ولكنه لم يتوسع في هذا الموضوع واذا كان ديغا قد تأثر في بعض
اعماله برائد الانطباعية ادوار مانيه (1883-1832) الا انه ترك تأثيراً
واضحاً على اعمال تولوز لوتريك (1864-1901 ).
شيئاً فشيئاً تخلى الاصدقاء القدامى عن ديغا, واعتبروه (فنان حياة الليل),
في اعماله المختلفة من اللوحات الزيتية الى الوان الباستيل التي اعتاد ان
يتعامل معها بطريقته الخاصة, والى التماثيل البرونزية, ومع ذلك استطاع ديغا
ان يستبق الزمن ويتصور الحياة العاصفة لفنون القرن العشرين, من حيث التحرر
من التقليدية ومن المستقبلية معاً, والتحرر من رموز الحداثة ومن بيكاسو
نفسه.
قال بيير اوغست رينوار مرة: لو ان ديغا مات في حوالي الخمسين من عمره لظل
في الذاكرة كفنان ممتاز, لكنه بعد ميلاده الخمسين اصبح ديغا الحقيقي.
كانت اعماله عن الراقصات اللواتي يظهرن كالفراشات, في شبابه, تثير الفرح
والنشوة, لكن اعماله الاخيرة كانت تنويعات حزينة على بعض موضوعاته المبكرة,
فقد تخلى عن التلميحات عن الحياة الاجتماعية في باريس, وانصب اهتمامه على
النساء المستحمات, واللواتي يسرحن شعورهن, وراقصات الباليه بالتنورات
القصيرة, بالوان متباينة: كالاصفر والاخضر والازرق, وهن اللواتي كن يظهرن
باللونين البني والوردي, فبعد الانسجام الذي كان يعبر عن الفرح بالحياة
والمصالحة معها, برز الصراع والتناقض بين الرغبة والواقع, بين الحلم
والحقيقة المرة, في سلسلة من اللوحات التي تعزف على هذا الوتر الحزين, وقد
اجاب ديغا نفسه عن التساؤلات حول هذا الاختلاف الصارخ بين ألوان الشباب
وألوان الشيخوخة في اعماله, فقال انها عربدة الالوان! |
الفنان مؤيد نعمة في الذاكرة
لمناسبة مرور الذكرى الثانية لرحيل الفنان القدير مؤيد نعمة يسر صفحة فنون
تشكيلية ان تستذكر هذا الفنان من خلال ذكريات اصدقائه الذين عاشوا معه ،
فقد تعرفت عليه في دار ثقافة الاطفال فوجدته فنانا رائعا خلوقا مبدعا، وكنا
نجلس سوية لفترات طويلة نناقش رسوم الاطفال وفقرات البرنامج الاسبوعي
المرسم الصغير والذي كنت اقوم باعداده وتقديمه ولحد الان وكان يقدم لي
الملاحظات، وفي احدى المرات طلبت منه ان يرسم لي صورة شخصية كاركاتيرية
فطلب مني الجلوس امامه لربع ساعة وقام بتخطيطي بشكل سريع وفي اليوم الاخر
انجز صورتي فكانت رائعة مازلت اعتز بها في مرسمي.
ونستذكر ذكريات كتبها زملاؤه وهم الفنانة الكبيرة اعتقال الطائي والفنان
المرحوم زياد حيدر والفنان حسين التميمي وندعو القراء الذين يملكون لوحات
او صورا او رسوما للفنان مؤيد نعمة ان يرسلوها للصفحة لكي يتسنى لنا نشرها.
صفحة فنون تشكيلية
الفنانة المبدعة اعتقال الطائي كتبت عن مؤيد نعمة هذه الكلمات:
رحلتَ يا مؤيد قبل أن تودع الأصدقاء
رأيتك بعد خمسة وعشرين عاما، لكن اللقاء كان سريعا، لم استطع أن أبدأ
الحديث كما اعتاد جميع العراقيين بجملة: تتذكر؟ .. أجل مازلتُ أتذكر عندما
نُقلتُ إلى مركز الحرف والصناعات الشعبية ، وتعرفتُ عليك عن قرب بالرغم من
أنهم لم يسمحوا لي العمل معكم . كنت وحيدة.. ذات يوم افتقدتُ أمي فمسكتُ
بكتلة الطين وعملت لها تمثالا صغيرا.. تركته على مائدة العمل ذاهبة إلى
البيت.. كانت مفاجأتي في صباح اليوم التالي هي رؤيتي للتمثال الذي غُلّف
بورق النايلون.. أزحته عنه، رفعت التمثال لأجد ورقة صغيرة كُتب عليها:"
جميل جدا سأضعه في الفرن ..مؤيد " لقد أفرغته بيدك وكتبتَ اسمي عليه
والتاريخ 1979. في ذلك العام كدتَ ترحل يوم اعتُقلتَ وعُذبتَ بأسلاك
الكهرباء، لكنك عدتَ وأنت مبتسم كعادتك، استقبلتُكَ فرِحة لأقول لك ضاحكة
وبسخرية :" الحمد الله على تمامة الخلقة" غير مبالية بمن أحاطوا بنا.
غادرتُ الوطن أحمل تمثال أمي الصغير ولمسات أصابعك المبدعة عليه. سبقني
الموت إلى أمي، واستعجلتَ أنت الرحيل. وبقي تمثال الفخار على الرف.. كلما
نظرت إليه أراكما فيه.
لكن يا مؤيد نعمة العزيز ستظل وردتك الحمراء التي رسمتها في العام ذاته
نظِرة تنمو وتنمو لتكسر كل الجدران أبداً.
وكتب عنه الفنان زياد حيدر
من يدفع ثمن الرحيل المبكّر للفنان مؤيد نعمة؟!
يخطئ من يعتقد أن الفنان مؤيد نعمة كان ضحية النظام البائد وسنين عذاباته
فقط .. بل أنه كان ضحية وضع سياسي و منظومة أحداث سياسية عصفت بالبلد لأكثر
من ثلاثة عقود .. وهو الذي أتت به أفكاره وأدواته وموضوعاته إلى واجهة
المشهد السياسي والثقافي والفني .. ورحيل الفنان المبدع مؤيد نعمة بهذه
الطريقة المفاجئة والمفجعة يجب أن نتوقف عنده طويلآ .. لأنه يضعنا جميعاً
بمواجهة سؤال كبير من نوع؛ ترى من يدفع ثمن هذا الرحيل هل وحده الفنان يدفع
فاتورة مصيره برمتها إلى العدم ثمناً لاندحارات سياسية أنتجته وصاغته وعصفت
بحياته فيما بعد لأكثر من ثلاثة عقود؟ أم أن الاندحارات السياسية تلك كانت
ثمناً بخساً و كافياً لانهاء حياة الفنان مؤيد نعمة ؟! .. من جهة أنه ينتمي
الى جيلنا جيل السبعينات.. جيل من الفنانين والأدباء والكتاب والمثقفين
الذين خذلتهم السياسة بين مطرقة النظام البائد وسندان السبل التي تقطعت بهم
داخل الوطن بعد انفراط الجبهة،هذا الجيل هو جيل مؤيد نعمة .. هذا الجيل
الذي لا يتقبله لا النظام البائد ولا المعارضة التي فرت بجلدها وجليدها..
كان مؤيد نعمة وأبناء جيله هم أبطال المحنة الحقيقية الدامية الذين توزعتهم
جبهات الحروب والمعتقلات والانتهاكات والتسقيط السياسي وتوقيع آلاف
التعهدات بالإعدام إذا ثبت تعاطيهم السياسة .. هذا الجيل هو الذي كان في
واجهة المشهد الثقافي والفني وفي واجهة مشهد العذاب الدامي .. في ذلك الوقت
كان مؤيد نعمة وأبناء جيله يعدون العدة لمواجهة الطوفان الذي جرف البلد
بخيرة فنانيه ومثقفيه وأدبائه..
كان مؤيد نعمة وأبناء جيله أمام مفترق طرق مظلمة أما الذهاب إلى جبهات
القتال دفاعاً عن جلادي الثقافة والفن وإما أن تسحقهم ماكنة الإعلام
الحربية وإما أن يزج بهم في المعتقلات .. وقد تعرض العديد منهم للاعتقال
ومنهم كاتب هذه السطور حيث حكمت عليه محكمة الثورة عشرة سنوات .. وهنا أدون
مقطعآ من مقال كتب عن مؤيد نعمة في موقع عراقي باسم توفيق التميمي :(( وأنت
تقاوم .. شوهوا تخطيطاتك .. أوقفوا رعشاتك المشاكسة .. واصطحبت حقيبة
المقاتل .. جنديً في الخطوط الأمامية المهلكة في الفرقة العاشرة .. يطاردك
ملف سري مشبوه للفنان )) .. هل يستحق فنان متعدد المواهب مثل مؤيد نعمة هذا
المصير؟!
وهو السيراميكي اللامع أن يكون أستاذا لمادة السيراميك في أكاديمية الفنون
؟ ألا يستحق مؤيد نعمة أن يحصل على زمالة لتطوير أدواته التي يقارع بها
الظلم؟أم أنها السياسة التي داست كل القيم وحولت البلد إلى مستنقع..
فأنا أتحدث عن زميل دراسة أربع سنوات في الأكاديمية و زميل في اتحاد
الشبيبة الديموقراطي العراقي .. وصنو في الخدمة العسكرية وجبهات الحروب..
وزميل في الحركة التشكيلية العراقية.. وعندما أريد أن أقرأ رحيل الفنان
مؤيد نعمة فأقرأه قراءة مغايرة غير القراءة التي رافقت رحيله .. قراءة تليق
بفنان متعدد المواهب .. فهو سيراميكي من الطراز الرفيع وأول من وظف
السيراميك في فن الكاريكاتير في المنطقة والثالث في العالم بشهادة أستاذه
الفنان الراحل إسماعيل فتاح الترك .. وهو من المؤسسين لمدرسة بغداد لفن
الكاريكاتير واختير في أكثر من لجنة عربياً ودولياً لتحكيم الأعمال في
معارض الكاريكاتير وحائز على جوائز محلية و عربية و عالمية و مصمم أفلام
كارتون متحركة ومصمم كتب ورسام أطفال من الدرجة الأولى ومنفذ سيناريوهات ..
ولم يكن مجرد رسام في جريدة طريق الشعب مثلما يحاول الآخرون تقديمه بمناسبة
رحيله ..
هذا الفنان الذي غادرنا بهذه الطريقة المفجعة وهو حامل معه أفكاره ومشاريعه
وأوراقه وطينه وهو الخارج تواً من ذلك الطوفان ولم يزل مشحوذاً ومتوقداً ..
وكان لحد لحظة رحيله مشروعاً كبيراً لفنان سبح ضد التيارات والانهزامات
والانكسارات والمصالح الشخصية .. وبقى أميناً لأفكاره ومبادئه وقريباً من
شعبه وهمومه .. ولم يتخلى يوماً عن حمل أدواته لمقارعة الدكتاتورية ومن ثم
مقارعة الإرهاب .. هذا هو المجد الحقيقي الذي صنعه مؤيد نعمة لنفسه وفنه
ولم يمنحه له أحد !!
وعندما لم يجد أحداً يتحد معه اتحد مع نفسه ومع أدواته ومع فنه .. ولم يجن
شيئاً غير المكابدات والعذاب والحرمان .. فمن يستمع للقاء إذاعة العراق
الحر مع زوجته في باب أجيال يحس من نبراتها الحزينة بذلك العذاب والنكد
والحرمان الذي كان يحيط بمؤيد نعمة حتى بعد السقوط !!
وأنا في وداع الفنان الصديق والزميل فناننا المبدع مؤيد نعمة .. أقول لكل
الذين يبكون مؤيد الآن .. أنتم الذين خذلتموه .. أنتم الذين ساهمتم في
عذابه وحرمانه .. أنتم الذين عجلتم في رحيله المبكّر والمفجع هذا .. أنتم
الذين كان بامكانكم إنقاذه يوم تركتموه وحيداً.. أنتم الذين كان بامكانكم
المحافظة عليه .. مؤيد نعمة غادركم بهذه الطريقة المفجعة لأنه في غفلة من
الزمن وجد نفسه محاطاً بكل الناس الذين خذلوه لثلاثة عقود!!
فنم قرير العين يا مؤيد .. فالناس الذين خذلوك والناس الذين عزلوك واضطهدوك
جميعاً هم الآن في موكب عزاءك يا مؤيد !! ويودعوك سوية في رحلتك الأبدية ..
فنم قرير العين يا مؤيد!!
وكتب حسين التميمي عنه وتحت عنوان
مؤيد نعمة.. فنان الشعب .. لن نقول وداعا
طوال زمن ما بعد السقوط كان لك الحضور الأكبر والأمثل على الرغم من أن
حضورك فيما قبل هذا الزمن لم يكن بالهين ، فأنت المبدع في كل جرة قلم وفي
كل انحناءة أو تقويسة في رسم أو حتى في كلمة . قد عهدناك تكتب المقال تلو
المقال تصويرا بدلا من الحروف ، وبعد ان كنا في الزمن الماضي نقرأ الجريدة
من الصفحة الأخيرة كي تطالع اعيننا أول ما تطالع رسومك النابضة بالحياة
والتي يعدل كل واحد منها مقال أو اكثر بكثير ، مقال يضرب بغير هوادة على
أوتار أحاسيسنا ويمنحنا الشعور بالتفاؤل بالغد على الرغم من كل مساوئ اليوم
ومعاناته ، فأنت كنت بوصلتنا الى الغد ، وفنار التائهين في زخم المضاربات
السياسية وتشابك المصالح واحتقان المواقف الآنية وضيق الأفق ، مؤيد لا أقول
وداعا..
مؤيد.. ماذا أقول بشأنك؟ قد كنت أخشى عليك من الإرهاب ، وكان جميع الاصدقاء
يشاركوني خوفي وقلقي هذا ، لكن لم يخيل لأحد منا أن كرات دم جامدة ستسبقهم
إليك ، ربما تلك دعابة اشد قسوة من كل دعاباتك التي ارتكبتها في رسومك ،
دعابة قاسية ستجعلنا نفكر كل يوم.
هل يمارس مؤيد ضدنا دعابة أو مزحة اخرى مشابهة لدعاباته التي حفلت بها
رسومه ، أم أن الأمر حقيقة .. حقيقة مرة كالعلقم علينا أن نصدقها وأن نصدق
بأن مؤيد قد رحل ؟ أم انه سيخرج في اليوم التالي بصورة كاريكاتورية جديدة
تصور موته المزعوم تتصدرها عبارة من عباراته الشهيرة (نشر سهوا) .
مؤيد .. الصحف التي تنشر رسومك غالبا ما كانوا يتبارون فيما بينهم كي
يترجموا رسومك ويفصحوا عن معانيها ، كل حسب ما يرتئيه ، كما لو كانت قصصا
تتحدث بأكثر من لغة ورمز وصورة ، فهذا يقول بأن الشخص الواقف على اليمين
(مثلا ) يمثل فلانا من الساسة وهذا يقول لا إنه يمثل فلان الفلاني ، ثم
يتضاحكون لأن فلان الأول لا يفضل فلان الثاني في السوء إلا قليلا ، ومثلهم
آخرون يتحاورون حول تحريكة يد أو غمزة عين ، أو ماشاء لهم التصور والتخيل ،
مما يعكس بصدق لقب فنان الشعب إذ اطلق عليك من قبل أكثر من طرف أو جهة..
مؤيد ماذا أقول أيضا . سأظل أقول وأقول ولكن لن أقول أبدا وداعا فأنت ماثل
في مخيالنا الشعبي، ولعل الغد سيلفت نظر من لم ينظر جيدا اليك فتطبق شهرتك
الآفاق ، ولا أظن من المستبعد أن تتبنى جهة نشر رسوماتك في كتاب، كي يكون
في متناول دارسي هذا النمط الجميل من الفن.
|