|
ابواب التآخي |
البعد الاخر
( مربد
) البصرة:
القصيدة في زمن الأنين!
حسب الله يحيى
يتوجهون الى البصرة..يسترخون على مقاعد مريحة في جناح الدرجة الاولى في أول
طائرة حديثة تقلهم الى هناك..
المسؤولون الكبارـ المنشغلون في تأسيس الثقافة..لا وقت لديهم يضيعونه لمدة
تسع ساعات أو أكثر ليصلوا الى البصرة متوجهين من بغداد..
أما (الشغيلة) الثقافية؛ وحدها تملك مساحة واسعة من الوقت تبدده في هذا
الطريق الطويل..وليس لها من مسؤولية وظيفية ولا عمراً يحتاج الى الاقتصاد
فيه ليبقى أكثر مما هو عليه، ولا صحة موفورة يخشون عليها من غبار وتعب..
فكل واحد منهم يحمل حبوب الضغط والقلب والسكر والمفاصل والصداع..
من قبل حصل هذا..ومن بعد!
هناك فوارق طبقية ووظيفية واعتبارية ـ وهذا هو الاهم ـ هو الامر الذي يجعل
البعض يصعدون الى الطائرة بكبرياء..فيما يصعد سواهم بذل الى الحافلات التي
تطالها قاماتهم..
لكن.. من نكد الدنيا ان الثقافة مثل سواها من صفحات الحياة المرة، تتعامل
مع الاشياء من منطق الفوارق هذا..و(شغيلة) الأدب والصحافة والثقافة
عموماً..راضون بها، ومستجيبون لمعطياتها وراضخون لما يعد لهم بدءاً من
الطائرة..الى فنادق الدرجة العاشرة، الى الاهمال والنسيان..الى (المكرمات)
التي يمن عليها مسؤولون يديرون ثقافة..هي حصتهم في حكومة تحاصص كل شيء! في
البصرة يلتقون.. وقد انقلب بعضهم بسهولة على صفحات الأمس...
وهناك من يمن عليهم مكافأة (مربد) سابق ومربد لاحق، وبين مدينة تتأمل شط
العرب وتموت من ظمأ..والشعر لا يغازل الالم البصري المضاع !
أي شقاء هذا الذي تعيشه ثقافة العراق اليوم..وأي مهرجان يقام وهو محاط
بمفخخات وأحزمة وسلاح الكتمان والعلن...(متمرداً) على ما جرى ويجري..ليقف (شامخاً)
على أشلاء وطن دكت عظام ابنائه دكاً؟ انتهى زمن المعلقات المذهبة التي تلقى
في الاسواق معلنة عن نفسها مثل أي بضاعة..
انتهى زمن الوقوف أمام الطغاة (منشداً) ومباركاً سحب السيوف من أغمادها
متوجهة الى الحروب. المسألة التي مازالت قائمة..ان عدداً من (شعراء) المربد
ومريديه.. مازالوا يتباكون على اطلال هدمت وأمنيات انطفأت. هذا العدد
الباقي من المساهمين في (مربد) هذا العام يغالطون أنفسهم، ويسكتون اصواتاً
صائتة في اعماقهم..حول الضرورة الشعرية الآن، وضرورة (المهرجانات) الآن،
وهذا المال العام الذي ينفق على كل شيء ما عدا الثقافة ! أي مسوغ هذا (الثقافي)
الذي يسكت عن الوجع العراقي المزمن، وأية ضرورة تقضي ان نغدق الجهود
والاموال على (نشاطات) لا تنشط ذاكرة الكسالى الذين لا يرون في الثقافة
والمثقفين سوى انهم (باعة كلمات) في مكان نقف على اطلال الضحايا فيه ؟
الثقافة في العراق، لم تعد تخجل من عتاب ومن نقد وحتى من فضيحة وقد صار كل
أمر من الامور يسير بالمقلوب وبقوة إدارية ومالية تحرك الموتى حتى يثوروا
ويكتبوا قصائد للحياة ! أي حياة هذه، وأي مهرجان يقام في مدينة عطشى، وسط
مقابر شتى، وجراح لن تبرأ من أنينها بعد..
هل هذا طراز جديد من (التحدي) أم إنه سبيل من سبل الحياة التي لا حياء لها
وهي ترقص على مدينة شغلتها الدموع أكثر مما شغلها أي اهتمام آخر.. وأي مسار
آخر..حيث لا آخر لحياة اشتعلت فساداً وضاعت اطماعاً، وماتت عطشاً..والمربد
يلقي قصيدة غزل..عجيب !
رواية مترجمة
هيرودياس
للروائي الفرنسي/ جوستاف فلوبير
ترجمة عادل العامل/2
كانت المتاريس تعج بالناس عندما دخل فيتيليوس، وهو يتكئ على ذراع مترجمه،
الى الساحة.. وكانت تتبعه محفة ضخمة حمراء مزينة بالريش والمرايا.. وكان
يرتدي الثوب الفضفاض، وحذاء قنصل مربوط، ويحيط به موظفون يفسحون له الطريق.
أوقفوا حزيمتهم الاثنتي عشرية عند الباب- وهي قضبان مربوطة معاً بحزام وفي
وسطها فأس.. وراح الجميع يرتعشون امام عظمة الشعب الروماني.
توقفت المحفة التي تطلب حملها ثمانية رجال.. وهبط منها شاب، ذو بطنٍ سمينة،
ووجه مبشر، ولآلىء في اصابعه.. فقدموا له كأساً مترعة بالنبيذ وبعض
المتبلات.. فشرب وطلب جرعة اخرى.
وكان الحاكم، الذي خشع عند قدمي نائب القنصل، محزونا لكونه، كما قال، لم
يعلم أسرع بهذه الخطوة التي أسبغها حضوره. والا لكان قد أمر بأن يكفل كل
شيء على طول الطرق راحة الفيتيليين الذين انحدروا من الالهة فيتيليا..
ومازال هناك طريق ممتد من جانيكولوم الى البحر يحمل اسمهم.. وكان هناك من
القباطرة والقناصل في الاسرة ما يفوق العد.. وهم كما بالنسبة للوسيوس ضيفه
الآن، مدينون له بالفضل كقاهر للكليتين Clitl واب هذا الشاب أولوس، الذي
يبدو انه عائد لملكه، مادام الشرق موطن الآلهة.. وقد قيلت هذه الاطراءات
المبالغ بها باللغة اللاتينية.. وتقبلها فيتيليوس بلا مبالاة.
ورد على ذلك بأن هيرود العظيم كان كافيا لأن يجعل من الامة امة مجيدة.. وقد
جعله الأثينيون مشرفاً على الألعاب الاولمبية.. وأقام معابد على شرف
أوغوستوس وكان صبورا، مبدعا ومرعبا، ومخلصا على الدوام للقياصرة.
كانت هيرودياس تبدو، من بين العمودين بتاجيها البرونزيين، وهي تتقدم بطريقة
امبراطورية، وسط نساء وخصيان يحملون الطيوب المحترقة على صينيات من الفضة.
تقدم نائب القنصل ثلاث خطوات ليقابلها، فحيته، وهي تحني رأسها وهتفت قائلة:
-" انه لحظ طيب ان يكون اغريبا، عدو تبيريوس عاجزاً من الآن فصاعداً عن
القيام بأي أذى!"
لم يكن نائب القنصل على علم بأي شيء حول الحدث.. فبدت له هيرودياس خطرة..
وعندما أقسم أنتيباس بأنه سيفعل أي شيء من أجل الامبراطور، أكمل فيتيليوس
متسائلاً: -"حتى لحد ايذاء آخرين؟.
وكان قد أخذ رهائن من ملك البارثيين، ولم يعد الامبراطور يتذكر ذلك.. لكن
أنتيباس، الذي كان حاضراً في المؤتمر وكان يريد أن يبدو مهماً، أرسل الخبر
على الفور.. ومن هنا نشأت كراهية عميقة، وتأخيرات في ارسال المساعدة.
تمتم الحاكم.. لكن أولوس قال، ضاحكاً:
-"لا تهتم، سأحميك!"
تظاهر نائب القنصل بأنه لم يسمع.. لقد اعتمدت ثروات الأب على غش الابن..
وقد سببت زهرة مستنقع كابري هذه لفيتيليوس مثل هذه المنافع الكثيرة بحيث ان
كل انتباه كان يوجه اليه، ولو انه كان مشكوكا فيه، كزهرة سامة.
ارتفعت جلبة تحت البوابة.. كان هناك رتل من البغال البيض يقاد الى الداخل..
وكانت تمتطيها شخصيات بأزياء كهنوتية، من صدوقيين وفريسيين قادمين من
ماشيروس لذات الاسباب الطامحة.. فقد كان الأولون يريدون الحصول على شعائر
التضحية والتحكم بها.. أما الاخيرون فكانوا يريدون الاستمرار بها.. وكانت
وجوههم قاتمة، خاصة وجوه الفريسيين، الذين كانوا معادين لروما وللحاكم..
وقد أخذت حواشي ارديتهم الرومانية الطويلة تعرقلهم في الزحام.. وراحت
تيجانهم المثلثة تتمايل على رؤوسهم فوق اشرطة من ورق نفيس غطته الكتابة.
ووصل في الوقت نفسه تقريبا، جنود الطليعة.. وقد وضعوا دروعهم في أكياس
حماية لها من الغبار.. وكان يتبعهم من الخلف مارسيلوس قائممقام نائب
القنصل، ومعه جباة ضرائب يحملون تحت أذرعهم مناضد من الخشب.
قدم أنتيباس وجهاء حاشيته: تولماي، كانثيرا، سيحون، أمونيوس الاسكندري،
الذي اشترى له الاسفلت، نعمان قائد قواته المسلحة الخفيفة، وجاسم البابلي.
فتساءل فيتيليوس الذي لاحظ مانيوس
-"وذاك الذي هناك، ماذا يعمل؟"
فأفهمه الحاكم بإيماءة انه الجلاد. ثم قدم الصدوقيين فراح جوناثاس ، الذي
كان يتكلم اليونانية يرجو السيد ان يشرفهم بزيارة الى اورشليم فأجابه بأنه
قد يفعل ذلك.
وطالب أليعازر ذو الأنف المعقوف واللحية الطويلة بعباءة الكاهن الاكبر
للفريسيين وكانت السلطات المدنية تحتفظ بها في قلعة انطونيا.
ثم راح الجليليون يشتكون بشدة من بونتيوس بيليت.
فقد اقدم هذا بسبب قيام مجنون ما بالبحث عن أواني داود الذهبية في احد
الكهوف قرب السامرة على قتل بعض الاهالي وقد تكلم الجميع دفعة واحدة وكان
مانيوس اكثرهم حدة فأعلن فيتيليوس ان المتهم سينال العقاب.
انطلقت صيحات عالية امام الاروقة المعمدة، حيث كان الجنود قد علقوا
دروعهم.. وعندما أزيحت الاغطية، شوهدت في النقوش صورة القيصر.. وكانت هذه
بالنسبة لليهود وثنية.. فراح أنتيباس يخطب فيهم، بينما بدت على فيتيليوس
وهو في مقعده المرتفع، الدهشة من حدة غضبهم الشديدة.. لقد كان تيبيريوس على
حق حين نفى اربعمئة منهم الى ساردينيا.
غير انهم في وطنهم اقوياء فأمر بإزالة التروس.
وعندئذ احاطوا بنائب القنصل، ملتمسين منه ان يعوضهم عن مظالمهم..
وامتيازاتهم واحسانهم وقد استأجروا ثيابهم وراح الناس يدوسون بعضهم بعضا،
والعبيد يضربون يمينا وشمالا ليفسحوا له مكانا.. فهبط اولئك الاقرب للبوابة
الى الطريق، وصعد آخرون وماجوا الى الخلف.. وهكذا التقى تياران في حشد من
الناس راح يتحرك للخلف وللأمام تحتجزه الجدران المطوقة.
تساءل فيتيليوس عن السبب في وجود أناس بهذه الكثرة فأوضح له أنتيباس بأن
عيد ميلاده السبب، وبين له ان العديد من قومه، الذين اطلوا من الشرفات
المفرجة كانوا ينزلون سلالا ضخمة من اللحم، والفاكهة، والخضراوات،
والظبيان، واللقالق، واسماك القنبر الكبيرة، والاعناب، والبطيخ، والرمان،
وهي مرتبة كالأهرامات.. ولم يستطع أولوس ان يكبح نفسه.. فأندفع الى المطابخ
يحثه شره يذهل العالم.. وعند مروره بأحد الكهوف لاحظ وجود قدور طبخ تشبه
الدروع فأقترب فيتيليوس لينظر اليها وطلب ان تفتح له هذه الغرف التحتأرضية
التابعة للقلعة. كانت هذه الغرف منحوتة في الصخر، وذات سقوف معقودة عالية،
تدعمها اعمدة متباعدة على نحو متساو.. وقد احتوت الغرفة الاولى على دروع
قديمة.. لكن الثانية اكتظت بالرماح، التي برزت رؤوسها جميعا من حزمة من
الريش.. وبدت الثالثة مزدانة بحصران حمر، وفيها الكثير جدا من السهام
الرفيعة القائمة بعضها الى جنب بعض.. وغطت جدران الغرفة الرابعة سيوف
محدبة.. وفي وسط الغرفة الخامسة كانت هناك صفوف من الخوذ المريشة تشكل ما
يشبه كتائب من الافاعي الحمر.. ولم يكن هناك ما يمكن رؤيته في الغرفة
السادسة سوى جعب السهام.. وكان في السابعة أكسية للسيقان العسكرية.. وفي
الثامنة اسورة أعلى الذراع فقط.. أما في الغرف الاخرى فكان هناك مذاري،
وخفاف مسمارية وسلالم وأردية، وحتى أعمدة للمنجنيقات، واجراس لدروع صدور
الجمال العربية! ولكون الجبل قد توسع عند قاعدته، وتآكل من الداخل كخلية
النحل، فقد كان هناك تحت هذه الغرف، غرف اخرى اكثر عددا وأعمق.
وراح فيتيليوس ومترجمه فينياس وسيسينا جابي الضرائب الرئيس يسيرون عبر هذه
الغرف على ضوء مشاعل يحملها ثلاثة خصيان.
واستطاعوا ان يميزوا في الظلال اشياء شنيعة اخترعها البرابرة: هراوات مرصعة
بالمسامير، ورماح مسمومة، وملاقط تمثل فكي التماسيح.. وباختصار فإن الحاكم
كان يمتلك في ماشيروس اعتدة حربية لأربعين الف رجل.
وكان قد جمعها تحسباً لاحتمال ان يدخل اعداؤه في حلف لكن ربما فكر نائب
القنصل، او قال، ان هذه الاسلحة ستستخدم في القتال ضد الرومان.. وعندئذ
سيلتمس أنتيباس توضيحات لذلك، مثل انها ليست له او ان الكثير منها قد
استخدم للدفاع ضد قطاع الطرق، فضلا عن انه احتاجها ضد العرب، او انها كانت
جميعا تعود لأبيه.. وبدلا من ان يسير خلف نائب القنصل، راح يسير امامه
بسرعة ثم وقف قبالة حائط حاول ان يخفيه بردائه الفضفاض، وهو يمد ذراعيه
جانبا.. لكن اعلى جزء من باب هناك بدا واضحا للعيان فوق رأسه.. وقد لاحظه
فيتيليوس وأراد ان يعرف ماذا هناك في الداخل. لم يكن باستطاعة احد ان يفتحه
الا البابلي..
فقال فيتيليوس آمراً: "هاتوا البابلي!"
وظلوا ينتظرونه.
وكان ابو هذا الرجل قد جاء من ضفاف الفرات ليقدم خدماته لهيرود الجبار، مع
خمسمئة فارس، من اجل حماية الحدود الشرقية.. وبعد تقسيم المملكة، بقي جاسم
مع فيليب، وهو الآن في خدمة أنتيباس.
وصل، يحمل قوسا على كتفه، وفي يده سوط وقد لفت بشدة ساقاه المقوستان بحبال
كثيرة الألوان.. وبرزت ذراعاه من رداء بدون اكمام، وظللت وجهه قبعة من
الفرو.. وكانت لحيته مجعدة بعقصات.
لم يبدُ عليه في الاول انه قد فهم المترجم لكن فيتيليوس ارسل نظرة عجلى نحو
أنتيباس الذي كرر امره على الفور.. وعندئذ دفع جاسم يديه نحو الباب.. وانسل
داخل الجدار.. فأتت نسمة هواء حار من العتمة.. وكان هناك ممر لولبي يؤدي
الى اسفل.. فسلكوا هذا حتى وصلوا الى مدخل غار، أوسع من الغرف الاخرى التي
تحت الارض.. وكان هناك عند الطرف الاقصى مدخل مقوس مفتوح فوق الجرف، الذي
يحمي القلعة عند ذلك الجانب.. وقد اطلقت احدى اشجار صريمة الجدي، كانت
معلقة بالجدار، ازهارها في ضوء الشمس الساطع.. وراح ينساب فوق الارض الى
الاسفل خيط من الماء المدمدم.
كان هناك ربما مئة حصان ابيض يأكلون الشعير من معلف بمستوى أفواههم.. وقد
صبغت اعرافهم جميعا بالأزرق، وغاصت حوافرهم في نبات الحلفاء، وتموج شعر
نواصيهم كاللمة.. وراحت اذنابهم الطويلة تتأرجح عند سيقانهم برشاقة فأخرس
الاعجاب نائب القنصل كانت حيوانات رائعة لينة كالأفاعي، وخفيفة الاقدام،
كالطيور.
وكانت ستفر بعيدا بانطلاقة من سهم راكبها، فتطيح بالرجال ارضا وتعضهم في
البطن وتحرر أنفسها من الاماكن الوعرة في الصخور، قافزة فوق الوديان الضيقة
وكان بامكانها ان تقضي يوما كاملا في السفر وهي تجري فوق السهول.. وكانت
ستوقفها كلمة واحدة.. وما أن دخل جاسم، حتى مضت اليه، مثل الخراف عندما
يظهر الراعي، وقد مدت اعناقها، وتطلعت اليه بعيون طفولية قلقة.. فأطلق بحكم
العادة صيحة عميقة خشنة ايقظت أرواحها فهدرت جائعة للفضاءات المفتوحة،
وراجية ان تجري حرة.
كان أنتيباس قد حبسها في هذا المكان الذي صمم خصيصا للحيوانات عند حدوث
حصار، خوفا من احتمال ان يأخذها فيتيليوس.
قال نائب القنصل:
-" انه اسطبل رديء، ويمكن ان تخسرها! عليك ان تعدها يا سيسينا!" تناول جابي
الضرائب لوحاً من حزامه، وعد الخيل، ودون العدد.. كان وكلاء شركات الضرائب
يرشون الحكام من اجل نهب المقاطعات وقد راح هذا الجابي بعينيه الطارفتين
وفكه الشبيه بفك ابن عرس، يتشمم هنا وهناك في كل مكان.
واخيرا مضوا مرة اخرى الى الساحة.
وقد غطت الصهاريج تروساً صغيرة برونزية مدورة وضعت هنا وهناك على الرصيف
فلاحظ فيتيليوس واحدا منها اكبر من الاخرى، لم يكن يرن تحت الاقدام.. فراح
يضربها جميعا واحدا بعد الاخر ثم صاح، وهو يدوس بقوة على احدها:
-"وجدته! وجدته! ان كنز هيرود هنا!"
وكان البحث عن كنزه هوسا لدى الرومان.
فأقسم الحاكم على ان لاوجود لمثل هذا الكنز.
لكن، ماذا كان هناك تحت؟
-"أوه، لاشيء! رجل، سجين."
فقال فيتيليوس
-"ارني إياه!"
لم يطع الحاكم.. فسوف يكتشف اليهود السر.. وقد جعل نفوره من فتح الغطاء
فيتيليوس نافد الصبر.. فصاح برجاله المكلفين بإفساح الطريق له:
-"اكسروه!"
كان مانيوس قد خمن ما كان يشد انتباههم.. وعندما رأى الفأس، اعتقد انهم سوف
يقطعون رأس أيوكانان.
فأوقف فاسح الطريق عند اول ضربة على الصفيحة، وادخل بنفسه نوعاً من
الخطاطيف بينها وبين الرصيف، وراح يرفعها بلطف، وهو يشد ذراعيه الطويلتين
النحيفتين.. فسقطت الى الخلف.. فعجب الجميع لقوة الرجل العجوز.. كان هناك
تحت الغطاء المبطن بالخشب باب افقي بنفس الابعاد.. وبضربة من قبضته، أنشق
الى لوحين.. وعندئذ رأوا حفرة، حفرة هائلة ذات سلم غير مسيج يلتف داخلها
الى اسفل.. واستطاع اولئك الذين انحنوا فوق الحافة ان يكتشفوا ان هناك في
القاع شيئا ما غامضا ومخيفاً.
كان هناك رجل ملقى على الارض، وقد غطاه شعر طويل بدا ممتزجا بقميص الشعر
الذي كسا ظهره.. نهض الرجل.. فمست جبهته القضبان الافقية المثبتة فوق
الحفرة.. وراح يختفي من حين لآخر في تجاويف كهفه المعتمة.
جعلت الشمس رؤوس التيجان المثلثة ومقابض السيوف تلمع، والاحجار اللوحية في
الارصفة ساخنة بشدة.. وراحت حمامات، طائرة من الافاريز، ترفرف هنا وهناك
فوق الساحة.. وكانت تلك هي الساعة التي يرمي فيها مانيوس الحب اليها في
العادة.. وكان يربض آنذاك امام الحاكم الذي وقف الى جانب فيتيليوس.. وقد
شكل الجليليون، والكهنة، والجنود، نصف دائرة خلفهما.. وكان الكل صامتين،
مترقبين لما سيحدث.
كان هناك، في الاول تأوه عميق صادر من الكهف.. وقد سمعته هيرودياس وهي عند
الطرف الآخر من القصر.. فشقت طريقها، يدفعها نوع من الافتتان، عبر الحشد،
وانحنت تتسمع ويدها مستقرة على كتف مانيوس. ارتفع صوت من الحفرة:
-" الويل لكم، ايها الفريسيون والصديقيون، أنتم أيها الأفاعي الخبيثة،
والجلود المنفوخة، والصنوج الرنانة!"
فتعرفوا على صوت أيوكانان.. وراحوا يهمسون باسمه هنا وهناك وتجمع آخرون
ليسمعوا.
-"ويل لكم، أيها الناس! ويل لكم يا خونة يهوذا، وسكيري أفرايم، ويا من
تقيمون في الوادي الخصيب، وتتمايلون مع اهتياجات الخمرة!
دعهم يمروا مثل المياه الجارية، مثل الحلزون المنحل، مثل جنين امرأة ميت لا
يرى الشمس.
عليكم ان تفروا، أيها المؤابيون الى داخل اشجار السرو مثل العصافير، والى
داخل الكهوف مثل اليرابيع.. فسوف تتحطم بوابات القلاع على نحو أسهل من
اصداف الجوز، وستنهار الجدران، وتحترق المدن، ولن يتوقف بلاء الرب الابدي..
سيلف أوصالكم في دمكم كما يلف الصوف في راقود الصباغ.. سيمزقكم مثل المسحاة
الجديدة.. وسيبعثر كل قطع لحمكم فوق الجبال".
ترى، عن اي قاهر كان يتكلم؟ فيتيليوس؟ الرومان وحدهم يستطيعون ان يقوموا
بمثل هذا الافناء..
وارتفعت من الحشد همهمات تقول:
-"كفى! كفى! دعوه يسكت!"
فأستمر قائلا بصوت أعلى:
-"وسيجر الاطفال الصغار أنفسهم جراً فوق الرماد نحو جثث امهاتهم.. وستمضون
أنتم في الليل لتبحثوا عن خبزكم بين الخراب، مجازفين بأرواحكم.. وسيتقاتل
ابناء آوى فوق عظامكم في الساحات العامة، حيث اعتاد الشيوخ التحدث في
المساء.. وستعزف عذاركم على العود، وهن يحبسن دموعهن، عند مأدبة الغريب،
وسيحني شجعان ابنائكم ظهورهم تحت الاثقال الهائلة!"
تذكر الناس ايام نفيهم وكل فواجع تاريخهم.. فقد كانت هذه كلمات انبياء
العصور الماضية.. وقد قذف أيوكانان بهم الآن الى امام، كما تفعل الضربات
الجبارة، واحدة بعد الاخرى.
لكن صوته اصبح فجأة لطيفا، متجانسا، موسيقيا.. وراح يبشر بالنجاة،
والاشارات العظيمة في السماء، والوقت الذي سيضع فيه الطفل الوليد يده داخل
مخبأ التنين.. وهناك سيكون الذهب حيث يوجد الطين، وستزهر الصحراء كوردة..
"وذلك الذي يساوي ستين طالن الآن لن يساوي فارذنغ وسوف تتدفق جبال الحليب
من الصخور.. وستنامون ببطون مليئة في معاصر النبيذ! فمتى ستأتي، أنت يا من
ارجو؟ سيركع جميع الناس في توقع وسيكون سلطانك ابديا، يا ابن داود".
دفع الحاكم بنفسه الى الخلف.. فوجود ابن لداود كان اهانة له وتهديد.
وقد وبخه أيوكانان على ملكيته ، قائلا:
-"ليس هناك ملك، بل الرب الابدي!" ولان الحاكم على بساتينه، وتماثيله،
وأثاثه العاجي- "مثل ايهاب العاق!" قطع أنتيباس حبل الختم المعلق على صدره
وقذف به الى داخل الحفرة، آمراً النبي بأن يصمت.
فرد عليه الصوت قائلا:
-"سأطلق صوتاً كصوت الدب، كصوت حمار وحشي، كصوت امرأة تلد! ان غشيانك
المحارم سيلقى العقاب الآن.
فيبتليك الرب بعقم البغل!"
وارتفعت ضحكة، كالمياه المتناثرة.
أصر فيتيليوس على البقاء هناك.. وبصوت هادئ، راح المترجم يكرر باللغة
الرومانية كل المذمات التي جأر بها أيوكانان بلغته الخاصة.. وكان الحاكم
وهيرودياس مجبرين على سماعها مرة ثانية.. فراح يلهث بينما أخذت هي تحدق بفم
مفتوح في قاع الحفرة.
"هذا الرجل البشع رأسه الى الخلف، وراح، وهو يمسك بالقضبان، يضغط عليها
بوجهه، الذي بدا اشبه بكتلة متشابكة مهزولة من شجيرة راحت تلمع فيها جمرتان
من النار.
-"آه! انت هي، ايزابيل!
لقد أسرت قلبه بوقع خفيك.. وكنت تصهلين مثل الفرس.. وقد وضعت سريرك فوق
الجبال لتقدمي قرابينك!
سينتزع الرب أقراطك، وثيابك الارجوانية، وبراقعك الكتانية، والأسورة التي
على ذراعيك، والحجول التي على قدميك، والأهلة الذهبية التي تتدلى حول
جبينك.. وسيأخذ مراياك الفضية، ومراوحك التي من ريش النعام، ونعالك
المصنوعة من عرق اللؤلؤ التي ترفعك، وماساتك، وعطور شعرك، والصبغ الذي على
أظافرك- كل ادوات فجورك الاصطناعية.. ولن يكون هناك من الاحجار ما يكفي
لرجمك، أيتها الزانية!"
نظرت من حولها بحثا عن مدافع.. فخفض الفريسيون عيونهم.. وأدار الصدوقيون
رؤوسهم بعيدا، خوفا من ان يسببوا ازعاجا لنائب القنصل.. وبدأ انتيباس كما
لو كان على وشك الموت.
أخذ صوت النبي، الذي صار أعلى واشد هديراً، يدمدم مثل هزيم الرعد، وراح مثل
الصدى المتصاعد في الجبل يضرب ماشيروس كالصواعق المتلاحقة.
-"مددي نفسك في الثرى، يا ابنة بابل! اطحني الدقيق! اخلعي مشدك، فكي حذاءك،
احزمي ثيابك، واعبري الانهار! سيعرف عارك، وسيرى خزيك! وستنكر اسنانك بكل
نسيجك! ان الرب الابدي يشمئز من نقانة جرائمك! أيتها المرأة الملعونة، موتي
كالكلب!"
أغلقت الباب الافقية وأنزل الغطاء في مكانه، وكان مانيوس تواقا لأن يخنق
هذا الأيوكانان.
اختفت هيرودياس وقد ارتعب الفريسيون وراح أنتيباس يحاول وسطهم ان يبري
نفسه.
قال أليعازر:
-"لاشك ان الواحد يستطيع ان يتزوج زوجة اخيه.. لكن هيرودياس لم تكن ارملة
فضلا عن انها انجبت طفلة.. هذا هو المقت".
اعترض جوناثاس الصدوقي قائلا:
-"خطأ، خطأ! ان القانون يحظر هذه الزيجات من دون ان يحرمها كليا."
قال أنتيباس:
-"ذلك لايغير شيئا! الناس جائرون علي بشكل فظ.. فبعد كل شيء لقد نام
أبسالوم مع زوجات ابيه، ويهوذا مع كنته، وأمون مع اخته، ولوط مع بناته".
عاد أولوس، الذي كان نائما، للظهور ثانية في تلك اللحظة.. وعندما أعلموه
بالأمر كله، أنحاز الى جانب الحاكم.. فعلى المرء ان لاينزعج لهذه النزوات
الحمقاء.. وراح يضحك بصخب من لوم الكهنة وغضب أيوكانان الشديد.
فاستدارت هيرودياس التي كانت واقفة عند منتصف سلم القصر، وقالت:
-"انك على خطأ يا سيدي! انه يأمر الناس بأن لايدفعوا ضرائب".
تساءل جابي الضرائب على الفور:
-"هل ذلك صحيح؟"
وكانت الردود بالايجاب.. وقد أكدها الحاكم.
وفكر فيتيليوس بأن السجين يمكن ان يهرب وبدا له سلوك أنتيباس مربياً..
فأقام حراسا عند البوابات، على امتداد الجدران وفي الساحة.
ثم مضى الى غرفه، ترافقه وفود من الكهنة.
وراح كل وفد يقدم مظالمه، من دون ان يتطرق الى قضية منصب الكاهن الأعلى..
وكانوا يلحون جميعا عليه، ولذلك طردهم..
غادر جوناثاس عندما رأى أنتيباس على الشرفات يتحدث مع رجل ذي شعر طويل
ولباس ابيض- أسيني- وكان آسفاً لأنه كان قد دافع عنه.. فكرة واحدة منحت
الحاكم العزاء: لم يعد أيوكانان يهمه في شيء.. فقد تولى الرومان الأمر..
فيا للراحة! كان فانويل يمشي في الممر حول الشرفات في تلك اللحظة.
فناداه الحاكم وقال، مشيرا الى الجنود:
-"انهم أقوى مني! لايمكنني انقاذه وليست غلطتي!" كانت الساحة خالية..
والعبيد يرتاحون.. وكان كل شيء قبالة السماء الحمراء يشتعل عند الافق،
واصغر الاشياء تبدو بارزة على هذه الخلفية.. وقد استطاع أنتيباس ان يميز
مناجم الملح عند الطرف الأقصى للبحر الميت، لكنه لم يعد يستطيع ان يرى
عشرات العرب.. ولاشك في انهم قد غادروا.. وكان القمر مشرقا. فغمره شعور
بالهدوء.
مكث قانويل، المغموم، وذقنه فوق صدره.. واخيرا قال ما كان عليه ان يقول.
فمنذ اول الشهر، وقبل كل فجر، كان يتأمل السماء حين تكون مجموعة كوكبة
الجبار في سمتها.. فكان أغاله Agalah لا يرى الا بالكاد والغول Algol يتألق
بشكل اقل بريقاً.
وقد اختفى ميرا- كوتي Mira- Coeti فتنبأ له هذا كله بموت رجل ذي شأن في تلك
الليلة بالذات في ماشيروس.
لكن من هو؟ كان فيتيليوس محروسا بصورة جيدة.. وهم لن يعدموا أيوكانان.
-"اذا أنا" فكر الحاكم.
فربما سيعود العرب ويمكن ان يكون نائب القنصل قد اكتشف علاقاته بالبارثيين!
وكان هناك سفاحون مأجورون من اورشليم يرافقون الكهنة.. ومن المحتمل انهم
كانوا يحملون معهم خناجر تحت ثيابهم.. وما كان بمقدور الحاكم ان يشك في
معرفة فانويل.
وفكر في اللجوء الى هيرودياس، وان كان يكرهها.. لكنها ستمنحه الشجاعة..
علاوة على ان كل روابط الافتتان التي ربطته بها ذات يوم لم تنقطع.
وعندما دخل الى غرفتها، كانت القرفة تدخن في حوض من الرخام.. وكانت هناك
مساحيق، ومراهم، واقمشة خفيفة كالسحب، ومطرزات أخف من الريش، مبعثرة هنا
وهناك.
لم يقل اي شيء عن نبوءة فانويل، ولا عن مخاوفه هو من اليهود والعرب.. كانت
ستدعوه جبانا.. فلم يتكلم الا حول الرومان.
أن فيتيليوس لم يكن يثق في اي شيء يخص خططه العسكرية.. وكان أنتيباس يظنه
صديقا لكايوس، الذي اتفق معه أغريبا وكان من الممكن ان يكون نفسه قد ارسل
للمنفى او ربما ذبح.
حاولت هيرودياس، وقد بدا عليها احتقار متسامح ان تعيد له الطمأنينة، واخيرا
تناولت من صندوق صغير وساما غريب الشكل، مختوما بصورة جانبية لتيبيريوس..
وكان ذلك كافيا لجعل فاسحي الطريق يشحبون والاتهامات تتلاشى.
أحس أنتيباس بالامتنان وسألها كيف حصلت عليه.
ردت قائلة:
-"أحدهم أعطاني إياه".
وبرزت قبالتها، من تحت ستارة، ذراع عادية، ذراع فتية فاتنة يمكن ان يكون قد
نحتها بوليكليتوس من العاج، وراحت بشيء من التردد، وبرشاقة مع هذا، تتلمس
طريقها في الفضاء، محاولة ان تمسك برداء طويل ترك في الخلف على مقعد قرب
الجدار.
وسحبت امرأة عجوز الستارة وانسلت في الرداء برشاقة فتذكر الحاكم الوجه
بصورة غامضة، لكنه لم يستطع ان يحدد أين.
-"هل تخصك تلك الجارية؟"
فأجابته هيرودياس:
-"ماذا يهمك من ذلك؟".
د. سهيل إدريس :معين السرد الروائي والقصصي
شكيب كاظم سوريا / خاص ـ التآخي/1
في الأشهر الماضية، فقدت الثقافة العربية والابداع العربي رموزاً
شاخصة ومثابات رصينة، إذ رحل القاص والروائي الكبير المبدع فؤاد التكرلي،
يوم الاحد 10/ من شباط/ 2008، وتلاه في اليوم التالي الناقد المصري المعروف
رجاء النقاش، وفي شهر آذار رحل الأديب الروائي والناشر المعروف الدكتور
سهيل إدريس، الذي كان له شرف التأسيس لمجلة ثقافية ريادية، فتحت صدراً رحباً
لأقلام المبدعين العرب، وأعني بها مجلة (الأديب) التي صدر عددها الأول
عام1954 .لقد جاء إصدار (الأديب) ليؤشر نهجاً مغايراً لعملية الكتابة
والنشر في دنيا العرب، إذ بعد ان كانت غالب المجلات تنهج نهجاً كلاسيكياً،
وتتناول قضايا ليست ذات مساس بحاجات القراء، وآمالهم وأهدافهم مثل مجلة (الرسالة)
التي أصدرها الاديب المصري أحمد حسن الزيات وكذلك مجلة (الاديب) اللبنانية
التي أصدرها البير اديب بجهد شخصي ومنذ عام 1941، وحتى وفاته عام 1984، مع
إنها عانت صعوبة في الطبع والتوزيع ابان اشتعال الحرب الاهلية في لبنان في
شهر نيسان من عام 1975.لقد كانت مجلة (الاداب) من المجلات الحداثية المؤمنة
بالمشروع النهضوي العربي، الذي شهد تصاعداً.منذ بداية العقد الخمسيني من
القرن الماضي، فكانت واحة لأقلام المبدعين العرب، وكانت جواز ذيوع وانتشار
لمن يكتب فيها، ذلك إنها كانت تغطي مساحة الوطن العربي كله، وكانت مقروءة
في كل البلاد العربية وكما عانت (الأديب) من صعوبات النشر بسبب الحرب،فان
هذا الامر انعكس ـ كذلك ـ على (الأداب) فبدأت على اختزال أعدادها؛ حجماً
وزمناً،فكنا نطالع الاعداد المزدوجة، أو المكعبة، فضلاً على قلة
صفحاتها.ولأن أغلب مجلاتنا، مرتبطة بأعمار مُصدريها بخلاف المجلات
والدوريات التي تصدر عن مؤسسات رسمية، فها هي (الأديب) تتوقف لرحيل مُنشئها
البير اديب عام 1984، ها هي (الكاتب المصري) التي أصدرها الدكتور طه حسين
في الاربعينيات تتوقف لأسباب خاصة تلحقها (الرسالة) للزيات ومن قبلها مجلة
(لغة العرب) التي أصدرها الأب انستاس ماري الكرملي في بغداد اثناء العقد
الثاني من القرن العشرين، فضلاً عن مجلة (شعر) الحداثية الشعرية التي
أصدرها الشاعر اللبناني يوسف الخال مطلع عام 1957، بمؤازرة من الشاعر
السوري الحداثي ادونيس وشوقي أبي شقرا وانسي الحاج وفؤاد رفقة وعصام محفوظ،
وكذلك مجلة (حوار) التي أصدرها الشاعر الفلسطيني توفيق صايغ التي صاحبها
الكثير من اللغط والتقولات والاتهامات،ليوقفها صاحبها توفيق الصايغ الذي
سيغادر الحياة في أحد المصاعد باحدى العمارات، البنايات الشاهقة في مدينة
نيويورك، وها هو ادونيس يصدر مجلته (مواقف) بعد انفصاله من جماعة مجلة (شعر)
وبعد أكثر من خمس وثلاثين سنة على إصدارها (1969-1994) وتتوقف (مواقف)
ومجلة (أبو للو) لأحمد زكي أبو شادي أقول: ولأن أغلب مجلاتنا المعرفية
والثقافية مرتبطة باعمال مصدريها فقد تحسَّب الدكتور سهيل ادريس لتقلبات
الزمن وكر الجديدين الذي يوهن الجسد ويبري العظم، وفأوكل مهمة اصدارها الى
نجله الدكتور سماح ادريس منذ منتصف التسعينيات، بعد ان انس في نفسه
ضعفاً،وابدله والله شيبة ووهناً بعد قوة وفتاء .وتلك الايام نداولها بين
الناس، ولن يقف أمام جبروت الزمن في مسيرة نحو اللا أين واللا متى أية قوة
أو وسامة وشباب وإذ أسس الدكتور سهيل ادريس مجلته الاديب (الآداب) فانه
اردفها بدار نشر راقية حملت الاسم ذاته (دار الاداب) ساعدته في إدارتها
زوجته الدكتورة عايدة مطرجي ادريس ،فقدمت للقراء منذ عقود تأسيسها الأولى
ترجمات وافية عن الحركات الثقافية الجديدة وقتذاك مثل الوجودية، فمن خلالها
اطلعنا على إبداعات جان بول سارتر (1905 ـ 1980) أو صديقته سيمون ري بوفوار
(توفيت في 14-4-1986) فضلاً عن البيركامي ـ المقتول بحادث سيارة يوم الجمعة
(1-1-1960) وكذلك فرانسوا ساغان، التي اشتهرت بروايتها الجميلة (مرحى يا
كآبة) فضلاً على إبداعات الكتاب العرب.لقد بدأ سهيل ادريس حياته التعليمية
في المدارس الدينية ذات القسم الداخلي، ولبس العمامة، وكان يزهو وهو صغير
في الذهاب الى المسجد لأداء صلاة الجمعة، وكان أبوه المزواج يرغب في تنشأته
نشأة دينية، لكنه لا يلبث ان يتمرد على رغبات أبيه، فيغادر المدرسة الدينية،
نحو المدارس العامة، نازعاً جبته وعِمته، متعرضاً لغضب أبيه الصاعق؛ رجل
الدين الذي كان يجد في ابنه امتداده الطبيعي، لكنه يخيب ظن أبيه فيه، فبعد
ان كان يطرب لوصف الناس له، فضلاً عن أهله وذويه بـ (الشيخ) وفرحه الشديد
وغبطته بان يعتمر العمة ويعتم بها ويتجلبب بالجبة ويباهي الناس خارجاً من
داره الى المسجد ظهر كل يوم جمعة، أو ذهابه صباح كل سبت الى مدرسته الدينية
التي لا يعود منها إلا ظهر الخميس، أضحى يشعر بالحرج، وهو يرى الناس ينظرون
إليه، ولعل خياله الخصب كان يصور له الحال على غير صورة الواقع، أو أكثر
مما هو في واقع الامر، إذ كان يحس في نظرات بعضهم إليه هزءاً به وسخرية منه،
كونه صغيراً على هذا اللبس الديني، الذي هو زي الرجال الكبار، مما فصله
طويلاً في روايته (الخندق العميق) التي هي سيرة ذاتية بامتياز لحياة سهيل
إدريس منذ الطفولة، مروراً بأيام الصبا والفتاء والشباب الأول وانتهاء
بمغادرته الحياة اللبنانية نحو فرنسا للدراسة.
نصان
طه ياسين حافظ
جـلســة
حين تجلس هادئا و تلتفُ على نفسك مثل جذرٍ معمرّ، تتضح الرؤية فلا تحتاج كلّ
عينيك لترى. ولا تحتاج الى لغة فليس بعدما يستحق القول. كما انك لا تريد
الاقناع. اذ لا خلاف مع الأشياء. ولا ترى غريبا حين ترى ذلك المتدفّق كلماتٍ
وتعابير، انطوى، صارت ملامحه خطوطَ دخان، او بقايا معركة خسر فيها الجميع
وظل الميدان فارغا...
ثمة من لا يكف، من ينتظر ان يحترق تماما او يصفو.
انت تجلس صامتا، تلتفّ جوار الشجرة. فأنت نَبْتٌ هالك ملتجئ اليها، او انت
بعض جذورها حاول ان يترك التراب، او انك شجيرة مجهولة من سلالة مسحتها
الانواء...
الغربة ملاذ اضطراري. الغربة مهما كانت وَدوداً، تخبّئُ سُمّاً.
حاول ان ترحل حالما تحس رعشةً في الكلام.
أحضري ايتها الحكمة
سنترك الملعب والحقل، ونترك مكاتبنا ونمضي.
تبقى بعض ملامحنا مرهونة الى اجل، وتغيب الى الابد صيحاتنا والنظرات. سوف
يرسلون افكاراً اخر وهموما اخر وستضحك أجيال من امراضنا وتزدهر تجارة
البدائل.. لكني الساعة اكتب مرثية على وجه الورقة ووصية على وجهها الثاني،
اسجل في الاثنين صيحة أسف قبل صيحة القطار الاخيرة: ان المسمومين ذوي
الوجوه الصفر والنظرات التي تتوعّد وسراق الارواح والقصائد وصيادي الافكار
والتعابير، وأمثال اولاء الذين تلمّ الحياة كارهةً وجهَها عنهم، سيرَون:
الا ضرورة لكل ذاك السمّ امام ميْتٍ
في قبر، وقبر سيزول. رداءتهم أضاعت حياتنا وحياتهم.
والخبرُ السيء يبقى سيئا، اسفاً، كل جمال يرتحل. وسنمضي بأحزاننا وهم
سيُنْقَلون الى العفن، ويبقى عارهم وراءهم عارهم وحده لايموت!
قـــولــــــي
حنون مجيد
قولي ..
اخيراً .. قد قضى
طواه الثرى
وغاب في
لجج الموت
فما
عاد يرى
* * *
قولي ..
لصاحباتك
ان الذي
احب
لم يقل
سوى الحب
فغار
النهر منه
والسماوات
وخفقه الطين
على جثمانه
الذي
ذوى
* * *
قولي ..
لهن انه
كان
غريراً مدنفاً
وانه
كان
يحب النهر
والحقول
والقطارات
التي تمضي
الى
المجهول
* *
قولي ..
لهن
انه
كان يحب
الليل
والمجرات
وقطعان الغيوم
وعاصفات الريح
والمطر الهطول
* * *
قولي ..
لهن
انه
كان يحب
العطر
والزهر
وانه
كان يحب
الطير
اذ يشدو
على
غصن بتول
* * *
قولي ..
لهن
انه
كان يناجيني
ويعبدني
يقدسني
ويحميني
وانه
كان يكتب لي
يهاتفني
ويلقاني
فيطبع قبلة
حرى
على اديم كفى
اليمنى
* * *
قولي ..
لهن
انه
مات
بلا صوت
بلا احد
يشيعه
ليلقي
نظرة عجلى
وكنت
احبه
واهواه
فوا أسفاً
نصوص
سعيد عبد الحسين
-1قراءة جديدة
الى عقيل علي (طائر آخر توارى(
لم يكن يعرف "بودلير”
ولا قرأ يوماً ما
لدوستويوفسكي
ولا جالس الادباء
في مقهى حسن عجمي
وما كان محاوراً لسارتر
كل ما يعرفه عنه
تسلله من أقاصي الجنون
واستنبت في رأسه طين أخضر
عرفته يقرأ ويكتب
في شؤون النهارات
تلذ له قراءة صحف قديمة
عند انفلات الليل
يغيب مع الحروف
المقلوبة
لغرض اجهله تماماً
ولكنه يضيء القراءة
بوجه المرايا القادمة
-2المرايا
مقلوبة بالضجيج
والايام مستعمرة
تساقط عليك
ذكريات مقبلة
3- ايقاع
للحظة تفرض للوهم
تفعيلة أوجاع يومية
قلق شديد
من ملاحقة هذا اليومي
على مواظبة الانحسار
4-انغمار
هل يقايض الصباح
بارتباكه المستعمل
وابتسامته المطبوعة
انحلال النهار
أو ينسل هاذياً
بوجه المغيب
-5صلة
سيعود
طائراً بي
بمشاعري
بلا أجنحة
يكاد يتنفسني
الرمل
-6رحلة
هذه الطيور القصية
مزقتني
وملأت الكون
أحداقاً وغيوماً
كنت الطفل التائه
في حمأ السنين
-7بورتريت
ستحضر لرحلته المزروعة
على قارب ورقتي
كانت تصفعه أصابع أيامه
استل من دخانه
قطار عمره المديد
ووضع في عرباته
أشلاء مبعثرة لطيور مهاجرة
لفراشات وديعة “
لأزهار ذابلة "
لغيوم نائبة
ونسي في خضم تحضيراته
صورة حبيبته مع الوطن
محطات
طفولة:
كتاب جديد صدر عن دار المأمون في وزارة الثقافة..تأليف الكاتبة الفرنسية
ناتالي ساروت. ترجمة: لورين زاكري.
هذا النص لم يسبق ترجمته الى العربية وكان الأمل أن يكون النص العربي أكثر
دقة مما ظهر عليه..حيث وجدنا الكثير من الجمل مفككة وغير قادرة على التعبير
بشكل سليم.
تشكيل:
مجلة فصلية تعنى بالفن التشكيلي صدر العدد الاول منها عن دائرة الفنون في
وزارة الثقافة، يرأس تحرير المجلة الناقد صلاح عباس،وقد أسهمت نخبة من
النقاد والتشكيليين فيها بينهم: نوري الراوي، عادل كامل،مؤيد البصام، د.
جواد الزيدي، د. عصام عبد الأمير، صلاح حسن، فاخر محمد، خضير الزيدي،حسن
عبد الحميد، د.يحيى الشيخ، باقر جاسم محمد، ماضي حسن، موسى الخميسي،نضال
خلف..العدد ينم عن خبرة مهنية ووعي تشكيلي موفق.
كتابان لحبيب ظاهر:
أحلى الكلام وأروع الالحان، تعلم العود: كتابان جديدان صدرا في بيروت مؤخراً
للاستاذ حبيب ظاهر العباس، مدير عام دائرة الفنون.
الكتابان يحملان عطاءً فنياً ثراً وجهداً واضحاً في الثقافة الموسيقية.
بغداد:
عدد جديد من مجلة (بغداد) التي يرأس تحريرها الاستاذ فلاح شاكر مدير عام
دار المأمون.
العدد تضمن جملة موضوعات عراقية رصينة تم نشرها باللغة الانجليزية بهدف
إيصالها الى الخارج والتعريف بالعطاء العراقي.
موسيقا
(المـطبك(: أنفخ في الآلة حتى تغني
أ . حبيب ظاهر العباس
لقد أكد الباحثون على إن الانسان عبر تاريخه القديم بحث عن الآت وأدوات
تقيه شر الحيوانات المفترسة وتنتشله من القلق والاوهام والمخاوف التي كانت
تطوق يومه وتثير غضبه ، فأهتدى بذلك الى ما يحيط به من جذوع الأشجار
والعظام المجوفة والقواقع المائية متخذاً منها مزامير ينفخ بها معتقداً
بأنها تساعده على تجاوز مخاوفه وتوفر له قدر كافياً من الاطمئنان . لقد
أتخذ الإنسان منذ امد بعيد من هذه المزامير رفقة تصاحبه في اغلب مناسباته
.(1)وكما تشير لنا المصادر إن هذه المزامير قد حظيت بمكانة كبيرة عند
الكثير من فلاسفة اليونان وإهتم بها فيثاغورس وافلاطون وأصبحت في جمهورية
افلاطون احد الأركان الأساسية لتربية النشئ ، وقد وجد ارسطوا في المزامير
قدرة عالية على إثارة العواطف والانفعالات .واذا تحدثنا عن علاقة المزامير
بالأديان المقدسة فقد يكون أقصى إرتباط قد تحقق في مزامير داود الذي كان
ينشد حكمته بمزماره فيشجي كل من في الأرض . ويحكى أيضاً عن الرسول محمد (ص)
إنه كان يشبه قراءة ابي موسى الأشعري للقرآن بمزامير داود ، كما ورد ذكر
المزامير في مؤلفات فلاسفة العرب والاسلام فقد أشار الفارابي الى المزامير
بقوله ( ان الآلات المشهورة منها ما يحدث فيها النغم بأن تحرك أوتارها
فتهتز ، ومنها ما يحدث فيها النغم بتسرب الهواء في تجويفها شيئاً فشيئاً
مثل المزامير وما جانسها ).( 2) من هنا صنف فلاسفة ورجال الموسيقى الالات
الموسيقية طبقاً لكيفية احداث وخروج الصوت من الالة وتبعاً لحجمها وطولها
وسمكها، وقد نالت الات النفخ الهوائية الاهتمام الاكبر وخصصوا الجزء الاعظم
من كتبهم الخاصة بالموسيقى لهذا الصنف من الالات.وقد يلاحظ في أزمان من
تاريخ الغناء والموسيقى ان إبن الريف قد أدرك العلاقة الوشيجة بين الغناء
والموسيقى ، ومن خلال حاجته الى تنظيم وهندسة حركات رقصاته التي ترافق بعض
الوان غنائه ، فانصرف يفكر في صناعة الآت موسيقية تلبي هذا الطموح وتحقق
رغبته ورؤيته في مجاراة أو تقليد ما يرافق الأغنية في المدينة من الأت
موسيقية لم يجد في تركيبة مساراتها النغمية ما يوافق اداء غنائه بعد ان أحس
بفطرته بعض التنافر بين مسافاتها النغمية التي هندست بثوابت نغمية على وفق
معايير عليمة لا تستجيب لمحتوى الغناء الريفي ذي النغم المتحرك الذي قاد
تركيب مساراته النغمية ، الذائقة الشعبية التي أدخلته في معترك العواطف
والانفعالات ، لتعبر عن واقع مجتمعها المختلف شيئاً ما عن الذائقة الفنية
النغمية للمدينة وحضارتها والآتها الموسيقية ذات التقنية العالمية .من هنا
إهتدى الفنان الشعبي الى صناعة الآته الموسيقية بيده بما يلبي بساطة ذائقته
الفنية وتركيب طباعة الآته وعمق ادائه ، معتمداً بذلك على المواد الاولية
المتوفرة في بيئته بحيث تستجيب الى ما يسعى اليه طبقاً لمنظوره الفطري .
بعيد عن التعقيد بما ينسجم مع مداركه الفنية في صناعتها وطرق العزف عليها .
وبذلك أصبحت هذه الآلات ملاذاً حميماً له تكمل فنه وتعزز تعبيره وتجمل
رقصاته وتنفث الحيوية في مناسباته . ولعل أبرز هذه الآلات التي ظهرت في
العراق هو آلة( المطبك / المطبج بأللفظ العامي )ويسمى ايضاً المزمار
المزدوج(3) والمطبك بضم الباء وفتح الميم أو كسرها بحسب نطق بعض مناطق
العراق ، وهو آلة نفخ عراقية تراثية واسعة الانتشار على إمتداد الريف
العراقي وأطراف مدنه يقوم إبن الريف بصناعته بيده مستفيداً مما تقدمه له
الطبيعة . يصنع المطبك من نبات طبيعي ( كما هو الناي وأغلب الآت النفخ
الشعبية ) يسمى (القصب أو الغاب)(4) الذي ينمو على ضفاف الانهار وحدود
الآبار والأهوار دون تدخل الانسان بزراعته وتفاصيل نموه ، إذ تتحكم الطبيعة
في أنواعه من حيث الطول والقطر والسمك ، تلك المواصفات التي تحدد لون الآلة
وطبيعتها ، ويستفاد من هذا النبات حين يكتمل نموه بالمواصفات التي تجعله
صالحاً لصناعة هذه الآلات(5)0
ونبات القصب شأنه شأن كل نبات آخر له شروط طبيعة في نموه من حيث
التربة(6)والمناخ وافضل أنواع القصب هو الذي ينمو في التربة الجافة لكونها
تتميز بتماسك جزيئاتها فتنتج قصباً متماسكاً بجزيئاته ايضاً . وتعد هاتان
الزمارتان بمثابة ريشتين يتذبذبان داخل فم العازف وهما مقفلتان من
الأعلـــــى ( الجهة التي تدخل في فم العازف ) أما الجهة الثانية التي تدخل
في القصبة فهي مفتوحة ، وتشق الزمارتان بشكل طولي في وضع واحد محدد من
جانبيهما العلويين بواسطــــــة (سكين وموس)(1) واللذان يدخلان في فم
العازف وذلك لكي يتذبذب الهواء الذي يضخــــــه ( بنفخه ) العازف عبر الجزء
المشجوج وتنتقل بذلك الذبذبات والصوت الذي تحدثه الى الاجزاء الأخرى ليتم
التنغيم الذي يريده العازف وهو الذي يبتغيه للاطراب والتطريب .ومن الملاحظ
ان الامر يتوقف في النهاية على طبيعة القصبة التي يفضل أن تكون لونها أصفر
حيث يعني جفاف القصبة تماماً ، يضاف الى ذلك خبرة الصانع ولاسيما اذا كانت
له دراية بالعزف اذ يكون اقدر على صناعة آلته الملائمة .أما طريقة العزف
على آلة المطبك ، فبعد ان تربط القصبتان مع بعضهما ويتم إدخال الزمارتين في
القصبتين بشكل محكم ومتساوٍ كما يفترض فيهما ان تكونا متساويتين في الطول
والقطر وعمق الشق في كلتيهما ، وخلاف ذلك يكون الصوت الصادر من المطبك غير
متطابق وغير منسجم ، فهو بهذه الحالة يحتاج الى إعادة نظر في وضع تركيب
الزمارتين وتسمى هذه العملية ( تصفية المطبك ) أي تسويته(دوزنته) كما يسمى
في الآلات الموسيقية الاخرى . وبعد ذلك يتم وضع الزمارتين في فم العازف
بألقدر المطلوب على أن تلامس شفتي العازف بداية القصبتين ( أي إدخال الجزء
الظاهر من الزمارتين بالكامل في فم العازف ) وذلك بعد خزن الكمية المطلوبة
من الهواء في الرئتين وتجويف الفم. ويتم هذا عن طريق إخراج الهواء المخزون
في الرئتين عن طريق الزفير وان عملية حدوث الصوت في الأنبوب تتلخص في كونها
عملية تفاعل بين عنصرين : العنصر المحرك وهو عملية النفخ والعنصر الثاني
الذي يمثل محتوى الضغط اذا كان غليظاً أو حاداً فكلما زاد الطول كان الصوت
غليظاً وكلما قصر كان الصوت حاداً . كما يجب أن يراعي العازف تنظيم النفس
جيداً ليتمكن من اخذ الشهيق ونفث (ضخ ) الهواء ببطء تبعاً للعبارات والجمل
الموسيقية . وهنا قد تختلف قوة (النفس) من شخص الى آخر ، وهذا يؤدي الى
زيادة أو نقص أو تطابق الترددات المطلوبة ، لذلك فان كل عازف له عمود هواء
خاص به يتناسب مع قوة نَفَسه للحصول على الصوت المطلوب وهذا ما يميز عازفاً
عن آخر ويحدد هويته الفنية .
يتكون المطبك من قصبتين اسطوانيتين متساويتين بألطول والقطر تقريباً كما في
الشكل رقم (1) يبلغ طول الواحدة 19.5سم وقطرها 1سم تقريباً ، تلصق احداهما
بالأخرى بمادة (القير) كما في الشكل رقم (2) وتثقب كل قصبة بستة ثقوب
متقابلة ومتوازية كما في الشكل رقم (3) إضافة الى ثقب يقع في الأسفل ويبلغ
قطر الثقب 0.6سم وتكون القصبتان مفتوحتين من الأسفل كما في الشكل رقم (4)
ومحكمتين من الجهة العليا ( الملامسة للفم ) بفتحتين تتناسبان وحجم دخول
قصبتين صغيرتين تسميان ( الزمارتين ) كما في الشكل رقم (5) مصنوعتين من
القصب الرفيع يكون قطر الواحدة منها 0.6سم وطولها 4.5سم وهما متساويتان
ايضاً في الطول والقطر.
أما وضع الأصابع على المطبك فيمكن توضيحها بألنحو الآتي:
يحسن بنا ونحن نتحدث عن آلة المطبك بوصفها آلة شعبية ، ان نذكر إلمامة
عاجلة عن الدور البارز الذي تؤديه هذه الآلة التي اتخذها الريفيون ملهاة
لهم ووسيلة طرب في أفراحهم واعراسهم ومناسباتهم الاجتماعية الاخرى .
فهي بلا منازع تقع في طليعة آلاتهم الموسيقية التي يستخدمونها(7) في مرحلة
اكثر تطوراً في ريف العراق وبعض مدنه لآلة نفخية تراثية تؤدي نفس دور
المطبك تسمى(الزورنا) وهي آلة اكثر حداثة ودقة في صنعتها، والزورنا وذلك
لسهولة حملها وبساطة صناعتها وجمال صوتها الذي يفوق أنغام الآلات الشعبية
الاخرى من حيث التأثير في النفوس لكوها تتميز بالشجن والطابع الريفي خاصة
عندما يتميز عازفها برهافة الحس . ووفق هذا المنظور تناغم ابن الريف مع جرس
هذه الآلة في صناعة كلمات أغانيه الموصوفة بألسلاسة والسهولة والعذوبة
والإيجاز حيث تؤطرها اللفظة البارعة والجملة الشفافة التي تشيع في ثناياها
معاني الحب ولوعة الحبيب ، تلك الأغاني التي تؤدى في الاعياد والمناسبات
السعيدة والتي تنتشر عند المراقد الدينية في أرياف العراق . أما الالحان
التي تؤديها هذه الآلة فأنها تتصف برتابة النغم والإيقاع وتتسم بعفوية
تركيبها وبساطة جملها وسهولة ادائها وتقارب ألوانها والتي يكون نغم البيات
فارس أنغامها وإيقاع الجوبي منظم اوزانها . لقد أجريت هندسة هذه الالحان
على وفق تركيبة صناعة هذه الآلة ومساحتها الصوتية التي رسمت مساراتها
النغمية بشكل عفوي يتجانس مع فسيولوجية وطبيعة صناعتها التي خضعت لفطرة
مدارك صانعها ، وبمعنى آخر ان اغلب هذه الالحان لا تتجاوز مساحتها الغنائية
فاصلة خامسة ولايبتعد نغمها عن البيات والصبا ، وهذا ماهو متوفر في هيكلية
هذه الآلة ومسموح به للعازف في أدائه . لقد تهرمن صوت آلة المطبك مع آلة
الطبل ( الدمام )(8) وشكلا رائعاً طوق أغلب الدبكات الريفية والتي يقع في
مقدمتها رقصة ( الجوبي )(9). ولعل من اشهرالالوان الغنائية التراثية التي
ترافق عزف الة المطبك هي غناء الموليه، غناء الميمر، غناء الزعيلان،
غناءالماني، غناء الهلابا....
يا عين موليتين (10).
يعين موليتين وعين مولية
لا الراح جاني ولا رد الخبر لية
طلعنة نتصيد كطه نسمع نغيط الوز
عشاكفات الهباري فوكك ثوب الجز
ريت الحرمني عشيري يظل نومة فز
يموت جنب وجنب والجفن عارية
يشوفت الفتشها تورد وان صلي
والزلف عثك النخل عالخد مدلي
والله المنطوني هلج لهيم وولي
وانحر ديار الغرب واخذ عراكية .
ولعلنا لا ننسى في هذا المبحث دور ( الراعي )(11) صاحب الحق الشرعي في
صناعة آلة المطبك والمحافظة على هويتها ، والتي ترافقه من الصباح الباكر
حتى عودته في آخر النهار ، متخذاً من هذه الآلة صحبة تنتشل عزلته عن
المجتمع ، وتوفر له قدراً كافياً من المتعة وبألتالي تسهل له ملء اوقات
عمله الرتيبة المملة . وكما قلنا في موضع سابق ان للرعاة ألحانهم التي
إمتزجت بكلمات هائمة كألفضاء الواسع الذي تنطلق منه ، فهي تتحدث عن نفسها
من خلال بعض مفرداتها اللاذعة البسيطة المستنبطة من تلك البيئة التي لاتخلو
من المفارقات والطرف الجميلة التي يضمنونها نصوص اغانيهم ، وفي كل هذه
المراحل كانت الاغاني الرعوية الموغلة بالقدم جزء وتستمع الى نموذج لغناء
الرعاة من الوظائف والأنشطة الاخرى الملازمة لهذا العمل(12) .
خلوني يهل الهوى راعي بغنــمكم
جسوه فصل ماريد بـس شـوف إبنكم
هب الهوى ومن يمج من زردومج لشمج
وانعل صفيحة عمج ذاك العم النصراني
شفته يمشي بالنصة عنكود كليبي كصة
حول وخذلك مصة من هالخد الرماني
ـــــــــــــــــــــ
* بحث مقدم في الندوة العلمية التي تقام اثناء انعقاد المجلس التنفيذي في
دورة العشرين في العاصمة التونسية في الفترة من 25 مارس/ اذار 2008 الى 29
منه.
** باحث عراقي رئيس اتحاد الموسيقيين العراقيين ورئيس اللجنة العراقية
للموسيقى عضو المجلس التنفيذي للمجمع العربي للموسيقى مدير عام دائرة
الفنون في وزارة الثقافة/ العراق.
-1إن أقدم أثر عراقي قديم يرينا هذه الآلات هو مسلة السومري أورنمو ،
ونشاهد هذه الآلات النفخية منقوشة على القسم الخلفي من مسلته التي عثر
عليها في أور . صبحي انوررشيد / الموسيقى في العراق القديم /دار الحرية
للطباعة، الطبعة الاولى، بغداد،1077 .
2-الفارابي / كتاب الموسيقى الكبير / تحقيق وشرح غطاس عبد الملك خشبة ص 494
-3يرى شتاودر ان المزمار المزدوج الذي ظهر أول مرة في العراق إنتقل الى مصر
عبر سوريا وفلسطين ( صبحي أنور رشيد، )الموسيقى في العراق القديم، دار
الحرية للطباعة، الطبعة الاولى بغداد 1977
-4يصنع من القصب ( ريش ) الآلات الموسيقية الخشبية كآلة الساكسفون
والكلارنيت ، والاوبو والفاجوت والباصون .
-5يصنع من نبات القصب أو الغاب آلالات النفخ (السلامية، الكولة، المجرونة،
الارغول،الزقرة،الطورماي،القرمة،المجوز،الشبك، الشبابة،الستاوية،بدري رضا
،آلة الناي، نشأة الموسيقى وتطورها،مكتبة مدبولي الطبعة الاولى، القاهرة،
2004ص 76
-6التربة ثلاثة أنواع : تربة طينية و تربة رملية وتربة طينية رملية أما
المناخ فيشمل القصب الصحراوي والقصب الريفي.
-7في مرحلة اكثر تطوراً استخدم في ريف العراق وبعض مدنه آلة نفخية تراثية
تؤدى نفس دور المطبك تسمى (الزورنا)وهي آلة اكثر حداثة ودقة في صنعتها.
-8الطبل : من الآلات الأيقاعية المشهورة في اغلب انحاء العالم بأشكال
وأحجام تختلف من بلد الى بلد ، يصنع الطبل في العراق من الخشب وبشكل
إسطوانة ، ارتفاعها ( 30-40سم ) وقطرها (40-60سم) مشدود على جانبيه جلد
مربوط بحبال يعزف عليه بالضرب على الجلد بعصا من كلتا اليدين ليهز الجلد
محركاً الهواء الذي يحيط به فينطلق بشكل دوائر حتى يصل الى اذاننا .
-9الجوبي : دبكة عراقية شعبية تؤدى في المناسبات المفرحة وخاصة الاعياد
والأعراس ، وتؤدى هذه الرقصة باجتماع عدد من اللاعبين الذين يأخذ بعضهم بيد
بعض على شكل نصف دائرة تقريباً ، وعلى انغام آلة المطبك يبدأون دبكاتهم
بايقاع لطيف من حركات ارجلهم وقد يرافق ذلك طبل أو ما شابه من الآلات
الموسيقية المعروفة .
-10ليس لكلمة المولية معنى محدد ولكن تحليل الكلمة الى عناصرها يضعها أمام
احتمالين إما أن تكون عناصرها ما هو ليس لي وهذه المعنى الذي تدعمه نصوص
الاغنية وموضوعها، أو انها ليست مطوية وتشير احدى الحكايات الى المقصود وهو
ان القلب التوى مرتين، وتنظم المولية على بحر البسيط.
-11ذكر الامام كمال الدين ابي جعفر ابن علي الشافعي المتوفي سنة 748 هـ في
كتابه (الامتاع بأحكام السماع) مايلي (( والرعاة يضربون بقصبة تسمى
(المنجارة) وبقصبتين ملصوقتين يسمونها(المقرونة)وفي العراق يطلق على هذه
الآلة اسم ( المطبج) أو ( المزوج(((.صبحي انور رشيد،الآلات الموسيقية في
العصور الاسلامية ،دار الحرية للطباعة،بغداد 1975 ،ص 296.
-12الراعي نمط من البشر تمتزج عواطفهم وانفعالاتهم بحب الارض والناس واتقان
العمل الذي يؤديه لقاء اجر للراعي في مواشي الآخرين ، وقد يصل التزام سيده
بتكاليف معيشته وكل التبعيات التي تنشأ نتيجة إعتباره فرداً من اسرة المالك
، وليست بنا حاجة لأستعراض مراحل التاريخ التي مرت بها اعمال الراعي بقدر
تأكدينا انها وجدت منذ وجود الانسان واعتماده على تدجين الحيوانات
والاستفادة من امكانياتها المادية المتعددة ، وظلت ملازمة لبعض القبائل الى
يومنا هذا.
مدن
هل حلّت البصرة الفيحاء في أرض لها تاريخ عريق؟
أ. فؤاد يوسف قزانجي
موقع البصرة، المدينة الإسلامية العتيقة التي مصّرت في عام "14هـ/636م" هو
الزبير حاليا. وقد قامت على الضفة القريبة اليوم لما يدعى "كري سعدة" التي
كانت في البداية موقع خيام الفاتحين المسلمين حيث ينفصل طريق الأبلّه عن
طريق الأحواز عند "الخريبة". وتعني كلمة بصرة الأرض الغليظة التي بها حجارة
صلبة وقد تعني ايضا الحجارة الصلبة البيضاء. وسميت ايضا بالبصرة الفيحاء
وبثغر العراق. ان ضريح الحسن البصري مع المقبرة الاولى المدعوة "الجبّان"
تقعان قرب سوق المربد، بينما أمسى ضريح الامام أنس بن مالك اليوم قرب محلة
العرنوس القديمة. وكانت محلّة "اهل العالية" تقع بين سوق المربد وجامع
البصرة. وجاء العباسيون في عام 132هـ فنظموا الري بالمدينة متخذين حوض
المربد واسطة لذلك، وحيث ان المربد كان سوقا للأبل ومحطة للقوافل، كان
الشعراء كل عام يجتمعون هناك حتى لقب المكان بعكاظ الاسلام. كانت البصرة
مصدرا رئيسا لفنون صناعة السفن الصغيرة والقوارب في العراق، وكانت هذه
الصناعة قد ورثتها عن مدينة فرات- ميسان القريبة منها، وتطورت هذه الصناعة
من خلال العلاقات التجارية مع الهند ومجيء العديد من الهنود الى البصرة.
ولقد تم في البصرة زراعة أجود الأصناف من النخيل والتمور والعمل على
تكاثرها ويبدو ان الأرض والمناخ كانا ملائمين تماما لنمو النخيل التي أصبحت
كالغابات في العشار.
كان من بين أهل البصرة مسيحيون يسمون بالسريان او الكلدان، وكذلك يهود
يسمون بالرهدانيين من ساكني محلتين خاصتين بهما في البصرة هما: محلة
القرائين ومحلة التلموديين، وكانت محلة القرائين موطن الحبر اليهودي في
البصرة "يفث بن علي البصري" ت عام 920م. وقد أشار بنيامين التطيلي عن وجود
"10" آلاف يهودي في البصرة في القرن الثاني عشر الميلادي يقابلهم "6000"
يهودي في الكوفة. وقد أدى موت البصرة البطيء في القرن العاشر الى القرن
الثالث عشر الى ان اصبحت قرية صغيرة تعرف بالزبير، وقد نشأت بصرة ثانية في
شمال العشار في موضع الأبلّه القديمة بالقرب من الشاطئ الأيمن لشط العرب.
وكانت هذه البصرة الجديدة واقعة تحت التأثير الزُهدي المتمثل بالرفاعية،
كما ان هناك صفوة صغيرة مختلفة تحيط بها أكثرية شيعية غروية.
ولنعد الى البصرة الاولى، فبحسب ما جاء في معجم البلدان، فإن المسلمين حلوا
بالبصرة بقيادة عتبة بن غزوان ثم توجهوا الى الأبلّة وهي اليوم العشار
واستولوا عليها بسهولة، وبعد الأبلّة مروا بمدينة تدعى "الفرات" والحقيقة
هي "فرات- ميشان". ويؤكد وجود مدينة الفرات الاشارة اليها مرة اخرى: "فلما
قاتل عتبة أهل مدينة الفرات، جعلت امرأته تحرض المسلمين على القتال..". وقد
وردت مدينة فرات ميشان باسم فرات البصرة بعد ذلك، وقال عنها الحموي انها
كورة "بهمن اردشير". وكانت فرات ميشان مدينة ذات جذور آرامية وجدت قديما في
منطقة ميشان باسم "برات- ميشان" نشأت على الأرجح في القرن الثالث قبل
الميلاد على الفرات في زمن الاغريق، حيث كان دجلة والفرات يصبان منفصلين في
مياه الخليج.
كان جيش الأسكندر المقدوني قد مرّ من ارض ميشان "الأهواز" وذلك أثناء عودته
منتصرا من فتوحاته في ايران والهند. وكانت أرض ميشان تمتد من المحمرة ومصبي
نهرا دجلة والفرات ورأس الخليج العربي حتى مدينة العمارة التي كانت تضم
بقايا القبائل الآرامية والكلدية التي كانت تشكل مملكة أرض البحر حتى سقوط
الأمبراطورية البابلية في القرن السادس قبل الميلاد. وقد أمر الاسكندر
الكبير ببناء مدينة خراسين Charassen وسميت ايضا كراسين ثم كرخا. وقد سار
الاسكندر محاذيا بالفرات الذي كان يجري لوحده آنذاك وكذلك دجلة ويصبان
متجاورين في الخليج، وانشأ على الفرات ميناءا دعاه ابولوكوس Appologos الذي
أصبح بلدة ابلا ثم سميت في القرن الرابع للميلاد باسم فارسي وهو "دست
ميشان" ثم تبدل اسمها في القرن السابع الى الابلّه. وكانت مملكة ميشان
الآرامية قد قامت بمساعدة الملوك السلوقيين، وظلت مملكة ميشان تحت النفوذ
السلوقي ثم الفارسي حتى عام 226 للميلاد حينما اجتاحها جيش الملك الساساني
اردشير واجتاح معها مملكة حاطرا "الحضر".
وكانت مدينة فرات- ميسان في القرن الرابع للميلاد قد اصبحت مدينة سريانية،
وان معظم سكانها الاراميين قد اهتدوا بالمسيحية وكانوا يشتهرون بصناعة
القوارب كما كانت المدينة مركزا للتجارة بين بلدان الخليج العربي والعراق
وايران.
ظلت مدينة فرات- مشان قائمة حتى القرن التاسع الميلادي وكان اسقفها آنذاك
عالما مشهورا وهو ايشوعدناح الذي انتقل من مدينة فرات- ميشان الى البصرة
التي غدت مدينة مهمة وتلقب ايشو عدناح بالبصري حبا بالمدينة، وكان ايشو
عدناح قد ألّف كتابا مهما في التاريخ السرياني وهو "الديورة في بلاد فارس
والعراق" في عام 860 م تقريبا وذلك قبيل وفاته، وقد سبق كتاب الديورة
للشابشتي بأكثر من قرن من الزمن، وقد اضاف ايشو عياب معلومات مهمة عن
المدارس في العراق ومنطقة ميسان والتي ناهزت على الخمسين مدرسة كانت تدرس
فيها السريانية واللاهوت والمنطق والرياضيات ومن بينها اسكول مار ماري في
دير قنى ومدرستي الحيرة والانبار التي درست على الارجح اللغة العربية في
نهاية القرن السابع للميلاد. وهكذا نجد ان ارض البصرة كجزء من ارض العراق
القديم بما فيها ميسان وكانت غنية بالثقافة الأصيلة المنبعثة في ارتباطها
بالحضارات والأقوام التي قدمت الكثير من النشاطات الانسانية المعطاءة
كالاراميين والكلدانيين والعرب وغيرهم.
المصادر:
-1ماسنيون/ لويس. خطط البصرة وبغداد، ترجمها واضاف اليها الأستاذ
الدكتورابراهيم السامرائي. بيروت: المؤسسة العربية للدراسات،1981.
-2 الأحمد، سامي سعيد. تاريخ الخليج العربي من اقدم الأزمنة الى التحرير.
البصرة: مركز دراسات "الخليج العربي"،1985. |
رسائل ثقافية من الخارج
التجريب في المسرح ضد التكنولوجيا
د.فاضل سوداني كوبنهاكن/ خاص ـ التآخي
تراتيل الملاك وبصريات الصمت
هل يمكن ان تحول التكنولوجيا الانسان الى كائن افتراضي؟. حيث (تشكل
التفاعلية ـ من فديو وشاشة تفاعلية ووسائط الاتصال المتعددة وانترنيت وواقع
افتراضي ـ تهديدا فعليا لنا،لقد تم في كل مكان وصل وتذويب المسافات
والاختلافات بين الاجناس والاقطاب المتعددة وهو ما افضى الى خلط جذري في
المصطلحات والى اصطدام هائل بين الاقطاب جعل من المستحيل الاستمرار في لعبة
اقامة التمييزات والحدود او اصدار الاحكام سواء في الفن او الاخلاق او
السياسة.) كما يؤكد جان بودريار ويفترض ايضا سؤالا مهما (اذا كانت الالة
تخلق نصا افتراضيا، فهل يمكن ان تخلق انسانا افتراضيا بفعل تاثير الالة
كبديل عنه؟، وبالرغم من أن الآلات لاتنتج سوى الآلات، وهذا ما يؤكده تطور
تكنولوجيات الافتراضي، اذ يفضي التقدم قي المكننة الى تذويب التمييز بين
الانسان والآلة. ولربما لم يعد الانسان إلا الواقع الافتراضي للالة). وفي
مجال مناقشتنا لعلاقة الانسان بالجانب الجمالي من حياته الروحية يتحتم
علينا طرح السؤال التالي:هل تستطيع الآلات ان تفكر وتخلق بصريات الجمال؟ ..
او هل تدعم التكنولوجيا الفنية تطور الفنون وبالذات المسرح وتعيده الى لغته
الخالصة عند استخدامه لوسائل التكنولوجيا كالفلم والوثيقة والفديو
والانترنيت والصوت الخفي أي الصوت المسجل وغيرها؟؟. من الضروري ألا ننسى
بأن فلاسفة الشك ماركس ونيتشه وفرويد ثبتوا الشك كمبدأ أساسي في التحليل
والتأويل، ولا يمكننا أن نحقق هذا ونحن نعيش وسط اليقينيات و التابوآت سواء
كان ذلك في الفكر العالمي اوالعربي، ولذلك علينا التزام مبدأ الشك في ثوابت
ما إعتدنا عليه في قيمنا وجمالياتنا، مضيفين الى الشك مبدأ تأويل التأويل.
ومن المعروف إن التجريب والطليعية في المسرح ألان هي نتاج لثورات واتجاهات
فنية حدثت بداً من الربع الأخير من القرن التاسع عشر وبداية العشرين. والذي
مهد لهذا التجريب أيضا هي التطورات العظيمة في القرن العشرين التي منحت
إمكانيات جديدة للمسرح فأرتبط بالتطور الثوري في الجانبين العلمي و
التكنولوجي. وقد تركزت الثورة التجريبة والطليعية في خمسينات القرن الماضي
في شتى عناصر المسرح وخاصة في النص المسرحي حيث كان للمؤلف الطليعي الدور
الأساسي في خلق أساليب التأليف البصرية الجديدة في هذه الفترة وفي المقدمة
كانا يونسكو وبيكيت اللذان لم يؤسسا النص البصري فحسب، بل أثرا حتى على
طبيعة الرؤيا الاخراجية أيضا وكذلك مكونات سينوغرافييا الفضاء المسرحي الذي
تحول في نصوصهم الى ميتافيزيقيا الفضاء، فكل شئ كان في لحمة النص. وهكذا
يجب ان يكون عليه النص المعاصر في علاقته بالتكنولوجية التي يجب أن تكون
وسيلة بصرية لغوية كجزءا من أحداث ومعمارية النص البصري وهندسته. ويعتبر
الفريد جاري وأبولينير وانتونين آرتو من الذين مهدوا لثورة المسرح وبالذات
في النص البصري الذي كتبه بعد ذلك كل من يونسكو وبيكيت وكوكتو وآداموف
وجينيه وأدوارد آلبي وغيرهم. ففي مسرحية أوبو ملكا 1896 وابو مكبلا، ثار
الفريد جاري ضد المفاهيم البرجوازية وكشف عن عالم مقلوب القيم حيث الحرية
تعني العبودية وبالعكس.وقد وصف اندريه بريتون مسرحية اوبو، بانها المسرحية
التنبؤية الثأرية الكبرى للعصر الحديث، لأنها تنبأت بمستقبل عالمنا وهو
يعيش وسط الفوضى الكونية.وقد لعبت مسرحية ثديا تريسياس السريالية لابولينير
دورها وتاثيرها أيضا ليس فقط على عالم يونسكو المسرحي وانما على عموم مسرح
الطليعة. إضافة الى تأثير نصوص كل من ترستيان تزارا و روجيه فتراك وريمون
روسل وجان كوكتو. وبالتأكيد فان أنتونين آرتو وأفكاره حول مسرح القسوة
وربطه بين المسرح والميتافيزيقيا وجميع الاتجاهات الفلسفية والأدبية
الجديدة في القرن العشرين وخاصة الفلسفة الوجودية و أفكار سارتر أثرت على
مؤلفي المسرح الطليعي وخاصة بيكيت ويونسكو وغيرهم، مما شكل مفهوما فلسفيا
جديدا يؤكد بأن جوهر حياة الإنسان هما العبث واللامعقول وان هنالك قوة تشيئ
الإنسان..مما مما يؤدي الى أن تصبح اللغة عاجزة عن التواصل الإنساني، فيعيش
الإنسان في عزلة مطلقة.ولكن الخطورة الان تكمن في أن العجز الذي يصيب
المسرح المعاصر هو نتيجة للجوئه للسهولة عندما تستخدم التكنولوجيا(من قبل
المخرج) بطريقة ملصقة ومفروضة على النص والعرض، وبالذات عندما يتخلى المؤلف
المسرحي عن أسرار لغته المسرحية الخالصة أمام لغة الآلة.وكذلك فقد ابتلى
النص و العرض المسرحي بالتكرار والآلية حتى أصبح المسرح عموما مملا ووسيلة
للتجارة وهامشية الفكر والجمال المزيف، وذلك نتيجة لكون المؤلف الآن يكتب
نصا مسرحيا أدبيا، لأنه غير قادر على الاعتراف بحاجة المسرح البصري الأكثر
حداثة الى كتابة النص البصري الذي من المفروض أن يكتبه مؤلفا بصريا ويخرجه
مخرجا بصريا أيضا.مثل هذا النص هو الذي يدخلنا جميعا الى زمن إبداعي
جديد،وان يخلصنا من قدرة الالة والتكنولوجيا على تهميش الوعي الفني
والجمالي وبالتالي تهميش لغة النص المسرحي الخالصة. وتعتبر دراسة نصوص
يونسكو وبيكيت شئ جوهري لأنها تمنحنا الحصانة ضد تأثير الأدب والتكنولوجيا
وتهميش لغة النص المسرحي، فكلاهما رفض استخدام التكنولوجيا في المسرح. ولكن
مكتشفات عصرنا التكنولوجية تحتم علينا السؤال التالي وهو: هل أن استخدام
الوسائل التكنولوجية تساعد على أغناء لغة النص المسرحي البصري الخالصة، أم
عكس هذا؟
اللغة البصرية في النص البصري
-1 صموئيل بيكيت والنص البصري في زمن الصفر.
يضعنا بيكيت دائما من خلال مسرحياته او رواياته، على حافة الهاوية، بل أن
جميعها مترابطة تشكل طقوسا جحيمية للقيامة، وبالرغم من هذا فان شخوصه تنتظر
الأمل بلا جدوى وهي في هذه القيامة التي تأخذ شكل الغرفة او الطريق الزراعي
او ساحل البحر او القمامة او داخل برميل او جرة فارغة...الخ، إلا أنه يعد
مكانا لانهائيا ولا محدودا، بل هو مكانا كونيا.لقد أكد صموئيل بيكيت من
خلال مسرحياته، نظرية بصرية لكتابة نصا مسرحيا بصريا خالصا. ومن الممكن ان
نكتشف بان هنالك علاقة وشيجة بين شخصيات روايات كافكا وشخصيات بيكيت بالرغم
من اختلافهم. فاذا كانت شخصيات كافكا تضطر للاستيقاظ في داخل كابوسها
وتعتبره واقعا طبيعيا، فإن شخصيات بيكيت لا تستيقظ في الكابوس وإنما هي
تمارس وجودها الحقيقي فيه أي في (الوجود الكابوسي). ولكنها لا تستطيع العيش
في الحاضر ولا في الماضي بل تبدو وكأنها في (الزمن ـ الفراغ). دائرية الزمن
تبدو أحداث مسرحيات بيكيت بل معظم مسرحيات ما تسميته باللامعقول وكأنها
تدور في لحظة زمنية واحدة لا متناهية، أي هي زمن الصفر الذي يحدث فيه
الجحيم والقيامة أو جميع عذابات الإنسان من الولادة وحتى تشيؤهُ. ولهذا فان
مسرح بيكيت ليس مسرحا للصمت والسكون كما يشخصه الكثير من النقاد، لأن
الكثير من الافكار والاحداث والمتغيرات التي تشخص تبدو وكأنها متغيرات لا
يمكن استيعابها وحدوثها إلا خلال زمن كوني حقا، ولكن كل هذا يحدث في لحظة
زمن الصفر.وهذا الزمن يكون أكثر وضوحا وتكثيفا في مسرحية (نهاية اللعبة)
وتأثيره واضحا ايضا على شخصيات (الايام السعيدة(.
( Play) مسرحية اللعبة
فيها يمكننا أن نرى الشخصيات الثلاث حتى نهاية المسرحية في داخل ثلاث جرار
لحفظ رماد الموتى، انها تعيش في عوالم مغلقة على نفسها، بقبورها وتوابيت
موتها،وهي في عالم مابعد الموت. يكثر بيكيت في هذه المسرحية من استخدام
تسليط الضوء على الشخصية والذي يعتبر حتى من ناحية السينوغرافيا وجو
الفضاء:)وسيلة لتأكيد الذات و الكشف عنها. لذلك فان هذه الشخصيات تفضل
العيش في الظلام الذي يؤكد فعلها وظهورها وليس العكس، فهي تفضل الهروب من
ذواتها ومن فعلها. ومن هذا نفهم بان استخدام الظلام هنا هو عكس وظيفته
الواقعية فانه لا يخفي هذه الشخصيات وأشيائها كما هو عليه في الواقع وإنما
الإنارة هنا كما في متن النص (والمؤلف هو الذي يحدد دورها المهم) تلعب دور
الموت الذي يطارد هذه الكائنات ويطاردنا.ولهذا فان بيكت كتب إرشاداته
الدقيقة لدور الإنارة كجزء من السيناريو البصري والمعماري للنص.وما يحدد
بصريات هذا النص لا الوسائل التزينية ولا ثقل الآلة، وإنما ما فرضته أفكار
المؤلف في متن النص أي الجو الكابوسي العام للأحداث، والسينوغرافيا التي
يحاول بيكيت من خلالها خلق سرمدية الصمت والعدم في المكان ـ والزمان
الميتافيزيفي.أن البطل الحقيقي في مسرح بيكيت هو الزمن وهو الذي يخرب عالما
كان مخرباً في أساسه ليجعله أكثر خرابا.
2- يوجين يونسكو وديناميكية الذاكرة المطلقة للأشياء.
يحاول يونسكو دائما تصيد الكتابة عن عالم قد يبدو غريبا في واقعيته، ولهذا
يمكن القول ان الحياة الحقيقية قد تكمن في الأحلام او الكوابيس وعلينا
إظهارها او تكبيرها،أي مناقشة جوهر حقيقة الحياة. أن أفكار يونسكو تؤكد على
تشخيص الواقع الحقيقي الذي هو أكثر كابوسية من الواقع ذاته، وهي أفكار و
لغة مسرحية لكتابة نص بصري بعيدا عن التكنولوجيا او الوسائل الادبية، إنه
نص بصري عن الواقع الواقعي.
مسرحية الكراسي..... نص وعرض بصري عن ذاكرة الأشياء المطلقة
وفيما يخص الأشياء واستخدامها كاستعارة بصرية في الفنون فان هذا يدفعنا الى
اعتبار نص مسرحية الكراسي ليوجين يونسكو كمثال تطبيقي على أنه نصا بصريا عن
ذاكرة الأشياء المطلقة.فالكراسي في هذه المسرحية والتي يمتلأ بها فضاء
المسرح،خلقت هذيانها الوجودي وذاكرتها البصرية عندما منحها المؤلف بعدا
استعاريا وتأويليا آخر بعيدا عن وظيفتها الحياتية بحيث تحولت الكراسي وبدت
كأنها مجموعة من الضيوف، وامتلكت وجودا آخر يوحي بالوجود البشري عندما
تعامل معها الممثل بدلالات اخرى.
الحوار في المسرح الطليعي (العبثي(
امتلك كتاب المسرح الطليعي (والذي يسمى تجاوزا بالعبثي) القدرة على كتابة
نص مسرحي خالص يوحي بكل متطلبات الفضاء المسرحي بما فيها التأثير على
الرؤيا الاخراجية والسينوغرافيا والجو العام للعرض.ومن هذا المنطلق يبدو
استخدام التكنولوجيا في نصوصهما غير مجدلأنها تهمش اللغة المسرحية الخالصة،
إلا اذا استخدمت هذه الآلية والتكنولوجيا كجزء من متن النص والحدث والفعل
واللافعل الذي يكتبه مؤلف المسرح البصري بلغته المسرحية البصرية الخالصة،
وهذا المسرح بالذات هو الذي يجعل الانسان (ان يستمع بعينيه).
النص المسرحي وموت المسرح العربي.
يكمن موت المسرح المعاصر عموما والمسرح العربي بالذات في حيثيات سوق العرض
والطلب التجاري والمباشرة الواقعية والآديولوجية والإعلامية المقيتة
وهامشية معالجاته الآلية لمشاكل الذات والمجتمع، إضافة إلى سيطرت اللغة
الأدبية السردية كأسلوب كتابة يفرضها النص الادبي المغلق الذي يعتمد عليه
المسرح المعاصر. أما مستقبله، (إذا اردنا أن ننقذه) فيكمن في خلق لغة النص
والعرض البصريتان واكتشاف أسرارها سوية مع المتفرج المتفاعل.ولكن أي نص
بصري هذا الذي من المفترض أن ينبئنا بمستقبل العرض البصري ويكون ضد
التكنولوجيا وتهميشها للغة أو أن المؤلف يمتلك الإمكانية والقدرة في جعل
التكنولوجيا جزءا من اللحمة المعمارية لبنائه؟
النص الادبي والنص البصري
لقد حدد تاريخ المسرح الادبي (التقليدي) وبالذات النص المسرحي الادبي الذي
يقدم على المسرح العربي الان، حدد العلاقة بين المؤلف والمخرج اوبين النص ـ
العرض والمتفرج على الشكل التالي:ان يكون النص والعرض خطابا (سياسيا
واديولوجيا في الكثير من الاحيان) ووسيلة فرض وتوصيل أفكار المؤلف والمخرج
للمتفرج أي ان النص ومكونات فضاء العرض هما وسيط بين المؤلف ـ المخرج وبين
المتفرج.ولكن اذا اعتمدنا مفاهيم ومفردات سميائية النص البصري المقترح (الذي
يكتب بوسائل بصرية وليست أدبية) والذي يوحي بالمسرح البصري حتى وأن استخدم
التكنولوجيا، لتوصلنا الى علاقة جديدة بين النص البصري ككيان بصري إبداعي
مستقل يكتبه المؤلف البصري، وبين المتفرج،لاكتشفنا علائق ودلالات اخرى لها
علاقة بأنساق بصرية تمنح النص والعرض إمكانية التأويل البصري، فتكون
المعادلة أكثر تكثيفا حيث تتحول من علاقة المؤلف بالنص باعتباره خطابا لبث
افكاره (النص كوسيط) الى نص بصري مفتوح امام سيميائيات التأويل. ومن خلال
هذا نتوصل الى نص بصري يفترض رؤية و تداعي اخراجي بصري وكذلك ممثل بذاكرة
جسدية بصرية مطلقة وكل هذا اضافة الى الانساق الاخرى ينتج عرضا بصريا
ومتفرجا متفاعلا بدلا من النص الادبي والعرض والممثل التقليدي والمتفرج
الهامشي. إذن النص والعرض البصريان هما اللذان يخلقان متفرجا متفاعلا.ولهذا
فإننا يمكن أن ندعو النص المسرحي غير البصري، بالنص الأدبي المغلق لأنه
النص الذي يتحدث بالوسائل الأدبية عن كل شئ حد الثرثرة، و يقدم الأجوبة
والحلول والنتائج الشافية و الجاهزة لمختلف المشاكل، بدون أن تكون هنالك
مساحات أو انزياحات يمكن ملأها وتكملتها بالرؤيا أو التداعي البصري، ومثل
هذا النص الأدبي السردي المغلق على ذاته لا ُيكتب بلغة مسرحية بصرية، و لا
يتعامل مع فضاء العرض البصري، وإنما يتعامل مع فضاء الأدب والتباساته
السردية ويمنع أي تأويل بصري ظاهراتي. ولهذا السبب أصبحت المشاهدة ولذة
المسرح الان معقدة لدرجة كبيرة. ان مؤلف النص الادبي المغلق في المسرح يعمق
اغتراب نص العرض والفضاء الابداعي ومهمات المسرح عموما امام المتفرج
المتفاعل، ولايعني إطلاقا بميتافيزيقيا الخيال البصري.
النص غير البصري والاغتراب
وبهذا فان النص الأدبي يفقد أهم خصوصية يتميز بها العرض البصري وهي التواصل
مع المتفرج المتفاعل من خلال وضعه في قلب العالم المعاصر،أي وضعه في وجود
العالم.فالمؤلف كاتب النص البصري وليس الادبي والمخرج صاحبا الرؤية البصرية
يستطيعان ان يخّلصا النص والعرض من الاغتراب من خلال التأليف بالبصريات
سواء كان نصا او عرضا مسرحيا. Alienatioفالنص البصري الذي يوحي بتداعي
الرؤيا الاخراجية البصرية يجب ان يسمح بمساحة لإعادة خلق كينونة المكان
الفضائي أي سينغرافيا الفضاء البصري الذي هو زمن إبداعي مكثف في الفضاء،
يمنح وجودا جديدا ومستقلا لذاكرة الاشياء ولجسد الممثل والانساق البصرية
الابداعية الاخرى التي تكون الرؤيا الاخراجية.
وهنالك قضية أخرى لها علاقة بلذة النص وتذوقه الجمالي والفكري وبالتاكيد
فإن هذا شئ ضروري للنص البصري ايضا قبل ان يمتلك ضرورته للنص الادبي، ولكن
هنا يتم التذوق هذا من خلال مفردات النص البصري وأنساقه التي هي ليست فقط
الكلمة ووسائل اللغة الادبية، وإنما لذة النص البصرية تتم من خلال جميع
وسائل النص البصري التي مر ذكرها.فبدل الاعتماد على الكلمة فقط لتحقيق لذة
النص، أصبح الاعتماد على الوسائل البصرية التي تتشكل من مفردات الصورة
والتصور والتخيل والبعد الميتافيزيقي لذاكرة الجسد وذاكرة الاشياء وغيرها،
و هذه كلها إضافة الى الكلمة البصرية، أصبحت هي التي تشكل لذة بصرية جديدة
للقارئ او المشاهد المتفاعل وتؤثر على جميع حواسه وهو في محيط ديناميكيته
التفاعلية عند تلقيه للنص البصري.اذن تقوم مشكلة المسرح المعاصر الآن على
كونه مسرحا أدبيا و سرديا وسايكولوجيا، وفيه يضطر المخرج الى إستخدام
التكنولوجيا الفنية كوسيلة مفروضة على النص الادبي لإغناء لغته.ان الكلمة
البصرية ووسائل التكنولوجيا تصبح وسائل بصرية مهمة لتحقيق النص البصري الذي
يوحي بالعرض إذا أحسن إنتقائها، وإذا استطاع المؤلف أن يحولها من كلمة
أدبية ومن وسيلة تكنولوجية(فيما اذا استخدم التكولوجيا) مفروضة وملتصقة
بالنص والعرض البصري الى وسيلة بصرية تصبح جزءا من متن النص البصري ووسيلة
لتحقيق المشهدية البصرية في العرض. فالمسرح والنص المسرحي الأدبي يلجآن إلى
التكنولوجيا ويعتمدان كليا علي مكتشفاتها لأنهما يفتقران للغة المسرحية
البصرية الخالصة، مما يتم أللجو إلى وسائل أخرى غير لغة المسرح والهدف هو
الوصول إلى الحقيقة أو شبه الحقيقة،وأن استخدام هذه الوسائل التكنولوجية
يعتبر استخداما مفروضا وتقنيا وتزينيا على النص والمسرح وليس نابعا منه
وممتزجا ببنائه الداخلي.أما النص البصري والمكتوب بلغة المسرح البصرية
وبدون اعتماد الوسائل الأدبية في كتابته فانه يرفض مثل هذه الحقيقة او شبه
الحقيقة الناقصة لأنه يربط الأحداث والشخصيات ومكونات فضا ء المسرح (كنص
وليس اخراج) يربطهما الى ما وراء حدود الحقيقة او ما وراء شبه الحقيقة. فهو
يبغي كشف سر الحياة ذاتها أي الى ما وراء الحياة والواقع والى الجوهر
الحقيقي والمتضخم والمكّبر لهذا الواقع الدبق والمزيف.
المسرح والتكنولوجيا.
ولكن تطور الثورة المسرحية في القرن العشرين والحملة التي نادت بمسرح
الرؤيا، أنتجت مسرح المخرج، مما غذت الصور السينمائية والتقنيات فن الاخراج.
والان كيف يمكن ان يمتلك النص المسرحي لغته المستقلة، وهل يمكن ان تصبح
المكتشفات التكنولوجية جزء منه و تشكل لغته الخالصة؟وهل يمكن ان تكون هنالك
لغة خالصة بعيدة عن هذه المكتشافات الهائلة للتكنولوجيا؟أن ازمة المسرح
الذي تقتله الان في اوربا عموما والمسرح العربي بالذات يدعونا إلى ضرورة أن
نمتلك تصورا واضحا عن كتابة نصا بصريا معاصرا يستوعب العصر ويمتلك لغته
الخاصة وهو ما ندعوه بالمسرح البصري الذي يوحي به النص البصري الذي من
خلاله يمكن استخدام الوسائل التكنولوجية ولكن بشرط ان تكون جزءا من عمل
المؤلف في البناء الدرامي والمعماري للحدث وفي متن النص، مما يوحي بمستقبل
العرض الذي سيغنيه بصريا المخرج البصري. فالتكنولوجيا التي تُفرض على العرض
ولا تنبع من داخل النص،تشكل وسيلة لاغتراب المؤلف والممثل والمخرج والمشاهد
وتهمش لغة المسرح إذا استخدمت كوسيلة توضيحية او آديولوجية مفروضة في
العرض.وفي هذا الخصوص استخدم المخرج الالماني ماتياس لانجهوف الفلم في
إخراجه لمسرحية رقصة الموت لسترندبرج كوسيلة لعرض أفكار وأحلام البطلة (أليس)
بطريقة ليست كالتي تستخدم باعتبارها صور فلمية منمقة مما تكون خارج الحدث
وليس في لحمته، وإنما إستخدمت كضرورة مهمة لسيناريو العرض.ولهذا كان الفلم
الذي يعبر عن أفكار وأحلام البطلة يمتلك امتداده الوجودي والتاريخي
والأسطوري أي انه مزج بين أفكار البطلة وهي في الحاضر ـ عن حياتها وعلاقتها
بزميلاتها ـ مع شخصيات لنساء أسطوريات. ان هذا شئ مهم وجوهري كان المفروض
أن يكون من ضمن مهمات المؤلف كجزء من حبكة وبناء معمارية النص وبهذا يتوصل
المؤلف الى الكلمة المرئية.
الالة والتكنولوجيا لدى بيكيت وماجريت دوراس
استخدمت السينما تاريخيا في المسرح بوقت مبكر، اضافة الى ان استخدام وسيلة
تكنولوجية في المسرح تعتبر وسيلة قريبة من السينما أكثر من المسرح واعني (الصوت
البشري الخفي) المسجل بآلة تسجيل،كماتسميها (ماري كي مارتن في دراستها
المسماة غزو الفضاء (الصوت الخفي في اعمال صموئيل بيكيت ومارجريت
دوراس).وقد استخدمت هذه الالة في الكثير من العروض، ولكن الذي يهمنا هنا هو
كيفية استخدام هذه الوسيلة في النص المسرحي ولدينا في هذا الخصوص تجربتان
هما مسرحية(روكبي) لبيكت ومسرحية(جنة السينما) لمارجريت دوراس اللتان
تحفزاننا على طرح السؤال التالي كماهو مدى مسرحة الصوت الخفي المسجل؟وهل
يمكن ان يكون وسيلة من وسائل اغناء لغة النص المسرحي الخالصة؟.بالتاكيد ان
للصوت الخفي المسجل تاثيرا كبيرا على المسرح ولهذا فان هذا السؤال يحدد
طبيعة العلاقة بين المسرح والسينما، ولكن عند استخدام الصوت الخفي في
المسرح كصوت لشخصية غير موجودة على خشبة المسرح، فانه يتحول الى صوت مرئي.
فهذه الشخصية التي يدلل عليها الصوت بالرغم من انها غير مرئية أمامنا إلا
انها موجودة في الحدث، أي في الواقع الزمكاني للأحداث. والصوت في الاساس هو
تقنية مسرحية استخدمتها السينما لأغناء المونتاج، ثم عادت من جديد لتستخدم
في المسرح باشكال اكثر غنى وتطور.ففي مسرحية دوراس (جنة السينما) التي
تتحدث عن تفكك عائلة آسيوية من خلال صوت الابنة المسجل وهي الان عجوز، تقص
على الجمهور الاحداث التي وقعت منذ زمن بعيد، وايضا يتم التناوب بين
استخدام الصوت المسجل وبين وقوع الاحداث المباشرة على الخشبة، أي ان الصوت
البشري الخفي هو وسيلة لغوية كتبت في متن النص يفرضها المؤلف للتعبير عن
المشاعر. والمهم هنا هو لايمكن ان يكون هنالك أي تاثير للتكنولوجيا في
المسرح بدون أن تكون هذه الوسائل جزءا من بناء معمارية النص المسرحي.ومن
المعروف بان بيكت استخدم الصوت الخفي في مسرحيتين هما (شريط كراب الأخير)
ومسرحية (روكبي) ولكن استخدام بيكيت للصوت المسجل كان مختلفا بين
المسرحيتين ففي مسرحية شريط كراب الأخير (فصوت كراب المسجل يأتي من داخل
القصة لي في الواقع الزمكاني او في احداث المسرحية (أي ان الرجل
العجوزموجود امام المتفرجين) أي يأتي الصوت مباشرة من شريط التسجيل الذي
يملكه الرجل العجوز. أما في مسرحية (روكبي) فان الصوت مسجل للشخصية ولكنها
خارج الواقع الزمكاني للقصة والأحداث) (نفس المصدر).ان المتفرج هنا يستطيع
ان يستمع من خلال المسجل الى افكار الشخصية(التي امامه) او يفهم جانب من
فعلها وسلوكها، وهي عندما كانت في مكان وزمان آخر غير مكان الاحداث في
المسرحية.والشئ المهم هو إن هاتين المسرحيتين ربطتا بين التقاليد المسرحية
والسينمائية أو وسيلة من وسائل التكنولوجيا، ولم يفرض هذا من قبل المخرج،
وإنما فرضه المؤلف كجزء من بناء الإحداث وكوسيلة لغوية لا غناء النص.
الانسكلوبيديا الكونية
وهنالك تجربة اخرى في افق التكنولوجيا والمسرح قدمها المخرج السينمائي
الانكليزي بيتر غرانويي من خلال مشروعة الضخم (مائة موضوع للتعرف على
العالم) ضمن مهرجان المسرح العالمي بمناسبة كوبنهاكن عاصمة الثقافة.إذ قدم
ممثلون وطلبة من مختلف المعاهد الفنية عرضا فنيا او تصورا عن العالم منذ
بدء الخليقة على شكل انسكلوبيديا كونية باستخدام الفيديو والاوبرا والفلم
وجسد الممثل الحي والموسيقى الحية،والضوء، والكمبيوتر، والانترنيت، ووسائل
فنية اخرى تعطي للعرض شموليته وكل هذا ممزوج بثلاثة من أفلامه تحت أسماء
المطبخ، اللص، زوجته وعشيقها. انه شكل مسرحي جديد بكل معنى الكلمة، حيث كان
استخدام التكنولوجيا ممزوجا بلحمة النص والعرض وليس خارجهما. فالمخرج في
عرضه الغريب هذا قادنا برحلة عبر العالم القديم والحديث بدأ من آدم حتى أهم
أحداث عالمنا المعاصرة، وبالرغم من ان المخرج يمزج بين الواقعة وبين
الحادثة الخيالية والتجريدية، إلا انه يبتعد عن المباشرة.وبعد هذا التطور
التكنولوجي الهائل هل يمكن للمسرح وبالذات النص المسرحي ان يتطور بمعزل عن
التكنولوجيا وان يمتلك لغته المستقلة؟؟؟. ان كل الوسائل الفنية التي
ابتدعتها التكنولوجيا كالفلم والوثيقة والفديو... الخ،ونتيجة للاستخدام
الخاطئ، ِلم تساهم في تأكيد واغناء اللغة المسرحية كفن مستقل مثل باقي
الفنون، وللاسباب التي ذكرناها سابقا، مما يخلق الاغتراب وهذا يفرض على
فنان المسرح وبالذات على الكاتب المسرحي امتلاك القدرة على كتابة النص
البصري بما فيها استخدام وتكيف الوسائل التكنولوجية لتصبح جزءا من لغة النص
البصرية وهندسة بنائه المعماري.إذاً المسرح المعاصر بحاجة إلى أن يتمرد ضد
تقليديته ورتابته سواء كان في أوربا أو في الوطن العربي. وهذا ما يدعونا
الى أهمية إمتلاك تصورا واضحا عن كتابة نص مسرحي بصري من خلاله يمكن
استخدام الإمكانيات الأسطورية للآلة او وسائل التكنولوجيا الأخرى. وضمن هذا
المفهوم يمكن القول بان المسرح المعاصر يجب أن يتأسس على النص المسرحي
البصري الذي يستخدم التكنولوجيا ويكيفها لتصبح جزء من اللغة المسرحية. وهذا
يؤكد لنا بان المسرح لا يمكن ان يستغني عن مكتشفات التكنولوجيا لانها كما
بينا يمكن ان تصبح جزء من لحمة النص ومعماريته وبناء مستقبل العرض المسرحي
وتغني لغته.
سارتر.. ماهو الأدب؟
بقلم: إليزابيث جابرييل
ترجمة:شذى محمد البياتي
ماهي الكتابة؟ لماذا نكتب ولمن؟ هذه الأسئلة التي طرحها الفرنسي جان بول
سارتر في كتابه الشهير( ماهو الأدب ؟ )الصادر عام 1948 .وقال سارتر عن نفسه
انه أول من طرح هذا السؤال " السهل الصعب "، وهو يرى نفسه أول من سال وأجاب
في هذا المحور.
يصنف سارتر الكتابة الأدبية إلى شكلين لا ثالث لهما: (الشعر ، والنثر)،
ويصف النثر بأنه إمبراطورية العلامات والدلالات، في حين يضع سارتر الشعر في
خانة الفن، شانه كشأن الموسيقى والرسم والنحت. وينتقل سارتر -عبر هذه
الفرضيات- إلى معالجة عدوى الإبداع هذه، فيصفها بداء الكلام!.
يفضل سارتر النثر على الشعر.. ويبدو ناقما بعض الشيء ضد الأخير..وهذا يتضح
في كتاباته الروائية والفلسفية على حساب الشعر كبنية نصية، حتى مسرحياته
اللاذعة.. كان يُشدّد على أن ما يكتبه فيها نثرا وليس شعرا، فهي على الورق
كذلك، وان تكلم بها الممثلين شعرا،لكن الأداء لا يخلد، بقدر ما يُخلد النص
الأساس، وهذا يفسر طريقة النثر الشعري لدى سارتر.
ويقول سارتر في نقده للأدب: " إن الكلمة في النثر تتميّز عنها في الشعر،فهي
في النثر أداة، وفي الشعر أكثر من ذلك بكثير..إنها آلهة معبودة، لهذا كان
الشعراء أناس يرفضون استخدام الكلام.. كما إنهم لا يفكرون في تسمية العالم،
وبالتالي لا يُسمّون شيئا البتة، لا هم بالمتكلمين، ولا هم بالصامتين. "
ووفقا لتعريف سارتر هذا ، فان الشاعر هو ذاك الكائن الذي يختار الكلمات
اختيارا رقيقا،ينظر لها بعناية فائقة، ولا يتخذ منها مجرد علامات يستغلها
في نصه وهو دور الناثر في الجهة المقابلة.
وهنا نرى الفرق بين الشاعر والناثر في مجال الكتابة الإبداعية، فالأول هو
الصورة المعكوسة على مرآة الشعر..مجرد ضوضاء لا أكثر.. والثاني - أي الناثر-
هو صانع الحدث، وهو الصورة الحقيقية في الأحداث! ويصف سارتر الكلمة
الشاعرية على إنها عالم مصغر يحوي عوالم كثيرة وان الشاعر هو شخص ضائع فيها
، على عكس الكلمة النثرية حيث يستبعدها الكاتب ويطوّعها لصالحه !، إذن هذا
التصنيف يبدو عادلا..حيث تنال الكلمة الشاعرية مكانة معنوية متقدمة ولكن
على حساب الشاعر، بينما تتم التضحية بالكلمة لصالح العمل النثري في حال كان
كاتبه ناثرا- كسارتر.
ويقول سارتر في هذا الجزء: " وظيفة الشاعر في هذا المجال لا تختلف عن وظيفة
الرسام، فكما يمزج الرسام الألوان على اللوحة، يصور لنا الشاعر يركَب
جُمَلا، وهذا زيف، انه في الواقع يخلق عوالمه الكثيرة. "
وعن موقف ( المتكلم) من الالتزام الأدبي.. يُقسّم سارتر الالتزام تماما كما
قَسّم الكلمة الأدبية، ويضيف :" كلما عَبّر كاتب النثر عن مشاعره زادها
بيانا،وعلى العكس من ذلك إذا أصاب الشاعر عواطفه في القصيدة أصبح لا يتعرف
عليها، فالكلمات تأخذها، وتتشبع بها، وتمسخها" .
إذن ، سارتر يُحرم الالتزام على الشاعر ويوجبه على الناثر ويعلل ذلك بقوله:
" إننا لا نجد قاسما مشتركا بين الكتابتين- أي النثرية والشعرية- وعدم
اتصال عالم كل منهما بالآخر، هو أمر لا يقبل النقاش!، لان جوهر الشعر وجوهر
النثر مختلفان ." وعند التدقيق بالاقتباس الأخير هذا سنعرف لماذا اهتم
سارتر في دراساته النثرية دون الشعر ، حيث يُبحر سارتر في أعماق الكلمة
الأدبية ذات الطابع النثري المحبب إليه،ويقول في إيجازه البليغ: " يستخدم
مسيو جوردان النثر ليسأل عن أغراضه، وهتلر يستخدمه لإبادة بولندا ،" ويختم
فقرته بقوله: " إن الأديب الناثر هو إنسان يمتطي الكلمة لتوصله غاياته ."
ومن منظور سارتر هذا، يمكن القول، إن الغاية من النثر، كخاصية أدبية، هو
الفائدة الإنسانية، والوجود البشري السامي، فالكلام امتداد طبيعي للحاسة
الإنسانية،انه يخبرنا بوجود الآخر ويحمينا منه، أو يُعرفنا عليه، وبعبارة
أخرى، اللغة هي أقوى مجالات الاتصال، والأدب هو قمة هذا الرقي في الاتصال.
وهذا يجرنا لفلسفة الأدب وجوديا، فالحدس الهيومانوي لدى الفرد هو الصمت!،
أما النطق وتدوين التجربة الإبداعية المليئة بالمجاز ومزايا الكلام البليغ
فانه يصلح للتصنيف الأدبي وان يكون أدبا يُشار إليه، وفي هذا يقول سارتر: "
وظيفة الكاتب هي ألا يجهل احد العالم، وألا يتبرأ منه. " ويصف الصمت بأنه:
"لحظة من لحظات الكلام، فالسكون ليس صمتا!، وإنما امتناع عن الكلام، يعني،
الكلام مرة أخرى. إن الأديب ليس ذاك المتعجرف المعزول في برجه العاجي،
وإنما إنسان تغوص قدماه في التاريخ الذي يشارك بصناعته، سواء وافق أم لا. "
جمل متفرقة من الكتاب:
)لا يلقى الكاتب في كل مكان سوى معرفته، إرادته، مشروعاته، باختصار، هو
يلقى نفسه، والشيء الذي يبدعه لا يبدعه لنفسه فحسب، فالفعل الخلاق مجرد
لحظة من لحظات العري الفني).
)لا وجود للفن إلا بالآخرين، ولأجل الآخرين).
)الكتابة نداء موجه إلى القارئ كي يخرج إلى الوجود) .
)من البديهي عند مخاطبتي للقارئ إنني انظر إليه على انه حرية خالصة، وقدرة
مستقلة على الخلق، وايجابية غير مشروطة، إذ لا استطيع على أي حال أن أخاطب
سلبية ما).
)القراءة اتفاق على الكرم بين الكاتب والقارئ، يثق بمقتضاه كل منهما بالآخر،
ويستند عليه، ويطالبه بما يطالب نفسه، هذه الثقة ذاتها كرم وسخاء: ما من
احد يقدر أن يجبر الكاتب على الاعتقاد بان القارئ سيستخدم حريته، وما من
احد يقدر على أن يجبر القارئ على الاعتقاد بان المؤلف استخدم حريته) .
) الفرحة الجمالية إذا ظهرت كانت شاهدا على أن المؤلف بلغ غايته، هذه
الفرحة يسميها آخرون المتعة الجمالية وهي محرمة على المؤلف، لكنها جزء من
إحساس القارئ بالجمال (
) من اجل الحرية.. مادام الكاتب لمجرد كتابته يعترف بحرية القارئ، ومادام
القارئ لمجرد فتحه لغلافي الكتاب يعترف بحرية الكاتب، نستطيع تقرير أن
العمل الفني الأدبي هو ثقة في حرية البشر ككل، إن الأدب هو النداء الأسمى
للحرية، ومن اجل الحرية(.
ذكر شاعر
للشاعر الراحل: عبد اللطيف الراشد
يتدفق بك الوطن
يسيل الوقت ناعماً كالفراغ
من بين أصابع الشعر
تجري انهارك كالتراتيل
على ساعة ويفترق عنك
اصدقاؤك الطيوف ماتوا
على بوابات المقهى المحتضر
حشد تساقط كالماء
توحد كالزجاج
تبعثر كالذكريات
وانت المزدحم بالآلام كالمستشفى
تقع قبالة اليوم
أو بالقرب من الليل
حيث يسكن المنفى
على دكة الخوف
يرتعش بك السؤال
يطرق على بوابات "نزق"*
من يربت على جثتك الوهن
غير الخراب !
ما عاد يهم من يسلب لك
زهرة الوهم
التهمتك سمكة الكذب
وازدان الشارع
بالاختفاء
* نزق ـ ديوان شعر للراحل
قصتان قصيرتان
تحت البرج
صبري الحيدري
كلما امعنت النظر، في حياتنا ومستقبلنا-انا وزوجتي- اجد انهما مثل سراب
يتموج على اسفلت الشارع، المؤجر الذي نسكن احدى غرف بيته رفع الايجار اكثر
مما يحتمل الجيب، اعمل في البناء، وقد اسهمت في ارتفاع بيوت اكثر سكان
المدينة، بشهادة الجميع انا احسن (الاسطوات) او (الخلفات)، هجر الناس
البناء، وصار همهم البحث عن (وحش الطاوة) لكي يسكت انين المعدة، اعمل اياما
قليلة -هذه المرة كأجير- ثم امكث اسابيع طويلة بلا عمل، تباعا تنفذ ممتلكات
غالية من غرفتنا، كرسي، طاولة، ساعة جدارية، صحن طعام يحتوي على صورة الملك،
نصف مكتبة فارغة من ممتلكات الوالد، بعتها في مزاد الجمعة، لم يكن الوالد
يجيد القراءة والكتابة، ولعل المكتبة جاءت اليه بالصدفة، وتم استعمالها من
قبلي (كونتر) لحفظ الاواني والقدور والملاعق، بعنا خاتمي زواجنا نحن
الاثنين، قبله فرطنا بسوار ذهب من مخلفات امي المتوفاة الى زوجتي، لم يبق
سوى ان يبيع احدنا الاخر في المزاد العلني، ولكن من يشتري جثة مازالت تأكل؟
فطورنا الصباحي (حرش مجفف) ايعقل هذا؟ زوجتي فقدت وزنها بالتدريج ولم اكن
افضل حالا منها، شحب وجه لونها الخمري، عندما احببتها، قبل اعوام وتزوجتها،
كانت اجمل مما عليه الان (!) كبرت (حفرتا) عينيها بعد ضمور وجنتيها، فماء
الحياة نضب عن الوجه الجميل الذي احبه، لونها كلون ليمونة معصورة.
تعلمت من الحياة: ان الاغنياء يزدادون غنى والفقراء يزدادون فقرا، قبل ايام
خطرت على بالي فكرة، وجدت الفكرة بحاجة الى جسارة وقلب ميت يهزأ بالصعاب،
وما اكثر الصعاب كما ان الفكرة تتطلب الهزء بالحياء والخجل يبدو لي كما
يبدو للناس ايضا ان الحياء والخجل ليسا جرتين مليئتين بل هما قطرة واحدة،
ان سقطت هذه القطرة صارت عادة، لذا قررت انا وبكامل قواي العقلية، وكسرا
للظرف الذي لا يرحمنا، استئجار عربة من خشب، بعجلتين صغيرتين وبظلفتي خشب
طويلتين، تقطعان بركيزة خشب، توازي ارتفاع صدري، اضع زوجتي في العربة
متوكلا على الله، سائحا في الشوارع، ابوح صوتا عميقا داسه الهم، انغمه برقة
وجع تجلب القاصي والداني، وتكسر اقسى القلوب، صائحا (من مال الله والسخي
حبيب الله!) وعلى طريقة الافلام المصرية (حسنة قليلة تدفع بلايا كثيرة)!.
دخلت غرفتي الخاوية. في الطابق الاعلى زوجتي نائمة، وضعت يدي على جبينها
المبلول من عرق الصيف، حين شعرت بوجودي قالت:
-الطعام فوق الصندوق، انا لا اشتهي شيئا.
قلت لها مقبلا خدها الذي انخسفت معالمه وذبلت اشراقته:
-وجدتها...
-كل مرة تقول وجدتها ولم تجدها!
-حقا هذه المرة وجدتها.. فكرة سحرية ولا تخطر على البال!
نهضت من رقدتها، تمسح عرقها بفوطة على الارضية، قبلت خدها الاسيان، رأيت
الهم في عينيها.
وجهت سؤالا كبيرا بحاجة الى جواب، ومنذ البداية قلت لها ان عملي الجديد-
تحديدا فكرتي- سيثمر قطافها من قبل شخصين انا وهي، افهمتها ان المشكلة
تزداد تفاقما من حولنا ومن المحال ان نقف على طولنا، وانني استأجرت عربة من
خشب، نصف ريعها لصالح المؤجر والنصف الاخر حصتنا، نستجدي المارة في الطرقات
والساحات والشوارع كل يوم في مكان وبلاد الله واسعة على الرغم من انها ثقب
ابرة، كما ان القدر انصف معنا بقطع النسل عنا! واذ ما استجدينا عطف المارة
نرسم كلانا نظرة كليلة، اسفة على ماض اضعناه، وضيعنا معه، مع انحناءة اليمة
فيها الكثير من الشكوى، تؤكد للناس، ان في الجسد علة مستديمة لا تبرأ الا
مع الصدقة، ايا تكون هذه الصدقة، حتى لو بحجم البصقة! نربط اجسادنا بخرق
ملونة تشبه (عجيزات طيور الحب) التي شغلنا بترتيبها في العام الاول من
زواجنا، تنهمر دمعتان حارتان جاريتان تذيبان اشرس واعتى القلوب، انا لي
البكاء بصمت كعادة الرجال، ولكن علي تنغيم زفرة او تنهيدة او ترنيمة، تصعد
من القلب المعلول، الى القلب الذي قد من صخر الجرانيت!
امد يدي للناس، اما انت يا زوجتي، فلا شيء، سوى كتلة صماء بكماء، معفية من
كل ما تقدم، قابعة في حوض عربة الخشب، تجيد الدمعة والتطلع الى الفضاء،
ونتجول في كل المدن والاحياء كعيون اللصوص! وما نحن بلصوص، وكذلك قلت لها:
تشدين لثاما ما عدا العينين، ما انت الا قنفذة سوداء او غيمة مطر لا تنث
قطرة مطر! وعلي ان اطلق لحيتي وهي مزيج من السواد القليل والبياض الكثير.
ظل الامر مطروحا بازاء طاولة الموافقة، على ان تعلن النتيجة صباحا، وفي
الصباح هيأت لنا فطورا، قدحين من الشاي وخبزا محفوظا في الجريدة من اول
رشفة شاي اعلنت لي موافقتها، لكنها اضافت شاكية:
-من اين لي الدمع؟ انت تريد مني دمعتين حارتين جاريتين على الخد؟ ضحكت
لانني وجدتها بلهاء، وتلك صفة بعيدة عنها، قلت مواسيا شكواها ومشجعا لها:
الامر في غاية البساطة!
-كيف؟
-سيكون تحت عباءتك قدح ماء او قشرة بصل من النوع الحار جدا.
-لكن افرض..
-مستقبلا لن نحتاج الى ماء وبصل، ما سنراه يذيب العيون.
-.......!
- نحن لا نحتال ابدا، اعلمي جيدا اننا لا نحتال، سترين الالاف مثلنا، انه
عمل كسائر الاعمال.
في اليوم الثاني اغلقنا باب غرفتنا. كانت زوجتي تلتحف السواد وعليها نصف
عباءة قصيرة يخب حذاؤها الاجرد- بلا لون او شكل اصلا- على درجات السلم.
وصلت الى متعهد العربات يحدوني الامل بالخلاص من المحنة، تكومت زوجتي عبارة
عن هيكل بائس، وانا انادي بصوت، تعمدت ان يكون اكثر بؤسا، وملتحما في الاذن
الاخرى (الله) (الله) (الله) (عطايا قليلة..) لم اكمل صيحتي، التي تدربت
عليها منذ انبثاق الفكرة، اول صدقة جاءتني من صبي سماوي موفور البدن، يسير
مع ابيه، صدقة اخرى، ثالثة، رابعة، خامسة، عاشرة، شعرت اني اخوض حربا شرسة
كحرب السنوات الثماني التي شاركت فيها جنديا!
حربا للبقاء على قيد الحياة مدة اطول. لست انا وزوجتي الشحاذين الوحيدين،
المفازات والساحات والطرقات، غارقة في احتفال مطمئن، يفيض على المشهد
الصباحي الغارق في لجة السواد. ارى انصاف بشر، ولا بشر، وبشرا اسوياء
مكتملين، يذكرونني بموظفي الحكومات، القابعين في الغرف المبردة، الذين
احيلوا على قائمة التقاعد، هنالك ايضا بشر قطعت اوصالهم الحروب، عميان، او
يعانون من الفالج، يدبون على اربع، بلا ساقين ايضا، بلا يدين او يد واحدة،
واخرون بعمر الورد، صبيان للتو تظهر اسنانهم اللبنية، يحملون دمى وكرات
مطاطية، يلتقطون الرزق المباح من قدر المدينة الواسع، تحتنا جميعا نحن (المخاليق)
ارض رخوة لينة، تفجر صدقات وحجراً يشج الجباه، جباهنا، كنت اسمع الحساد
يقولون (بلد الشحاذين) (الاجدر ان يعملوا بائعي سكائر) (الموت ولا التوسل)
(ربك يريد ان يذلهم).
لم يمض شهر على عملنا، حتى استطعنا ان نشتري سريرا عريضا بمرتبة عالية من
الاسفنج ووسادتين بشرشفين احمرين كتب عليهما (احلام سعيدة، ونوم العافية)
طاولتين ، كرسيين بلاستك، حاوية نفايات، شجرة اصطناعية تحمل برتقالا وورقا
اصفر، مروحة سقفية تنز هواء لطيفا ينشف العرق المسفوح، جدران الغرفة
غلفناها بنايلون، اما الجدار الذي يواجه سريرنا العريض، فقد علقنا عليه
منظرا طبيعيا لغابات اليابان، كنا انا وزوجتي نحلم بالسفر الى هذه الغابة
التي تتخللها الجداول والسواقي، كان المنظر يخفي تحته شقوق حشرة الارضة
التي اتلفت جدران غرفتنا، اشترينا كذلك صندوقا حديديا للادخار تحسبا
لعاديات الزمن، كان بذخنا بذخا متوسطا دربناه على العقل، وكنا نعرف ان
العرق الغزير المهدور، المتصبب من جسدينا اينع واثمر لنا بعد ان استوى جذره
وعوده، بعد مرور هذا الشهر، حددنا برنامجا لعطلتنا في منتصف الشهر ونهايته
يتوقف عملنا، نذهب انا وزوجتي متفرقين الى الحمامات الشعبية ويكون لقاؤنا
مرتبا ضمن موعد، مثل عاشقين في متنزه الزوراء، نأكل الكباب والدجاج المشوي،
ونشرب اعاصير دول الخليج (حبيبات برتقال) (تفاح ) (فراولة) ومع كل هذا
الترف لم تغادر وجهينا تقطيبة الحزن، كأننا جبلنا على الحزن، وعلى مضض
واستحياء تركنا افراح واشواق الجسد، لا عناق ولا قبل، نعرف ان فوق جسدينا،
من قمة الرأس حتى اخمص القدمين، طبقة من الزيت والسخام والدخان الاسود لا
تمحوها حمامات بغداد، لهذا كنا لا نلتصق، خجلا من روائحنا التي تغشي
اعصابنا، كثيرا ما تلتصق على لساننا عبارة واحدة، نرددها ونحن على السرير،
في ظلام الغرفة (ما العمل؟) نرددها بلا وعي او غياب تام، حتى (قعدة) البيت
ومن يملها؟ صارت ثقيلة على حواسنا... العطلتان اللتان اغتصبناهما كانت
تربكان الميزانية قليلا، فيلوم احدنا الاخر، لذا قررنا ان يكون اليوم
الاخير، من كل شهر عطلة للترويح و(حساب المال المحلى بصورة رئيس مدينتنا)
على ان لا ترصدنا عين حسود متطفل لئيم، لا يود الخير لنا ونحن نرزم الفئات
الورقية كلاً على حدة، سلمنا عربة المستأجر، بالع نصف جهدنا وكدنا وعرقنا،
اشترينا عربة خشب (ملاكي) اردت تزيينها بعبارة (عضة اسد ولا نظرة حسد) ولكن
زوجتي اتهمتني بالخبل فتراجعت لكونها اكثر حكمة مني!!
ذات يوم، في عام اكثر عجبا، وقد استوطن الغرباء الشقر والسود مدينتي، الذين
نراهم في عجلاتهم (الهمر والهمفي) كنا قريبين من البرج الذي يشرف على
مدينتنا الرائعة، زوجتي في العربة ويدي اليسرى على المقود، الاخرى سائبة
باستقامة مع جذعي، لقلة مرور الناس هناك، كنت انظر الى البرج، بيني وبين
فوهته الصاروخية عداوة مستحكمة! بالنسبة لي لم اكن احلم بالصعود الى البرج،
عكس زوجتي. اراها تحدق الى الاعلى مندهشة تركتها تحلم، في فمي مرارة
واحتراق كالملح كابدته زمنا، قالت زوجتي وهي تندب حظي البائس:
-يالك من تعيس!! احقا انت اول من حفر اساس هذا البرج؟
-نعم انا، حتى سقالات الصعود اسهمت في تركيبها.
تحسرت قليلا، ثم مدت يدها لعابر سبيل، ترجوه الصدقة، الا انه كان غليظ
القلب، واصلت كلامها وهي تنظر الى البرج:
-مكتوب علينا الحزن.
-قلت بحزن.
-لو تعلمين كم كنت اصعد واهبط ثم اهبط واصعد، آه كم اتعبني هذا البرج.
-لا تحدثني، يؤلمك (ضاحكة) انا اعرف التفاصيل يوم جئت وظهرك شديد الاحمرار.
-ياله من سوط! ساطني المشرف على البرج.
بدلا من وقفة البطالة، ولكي نلهو ريثما يتوافد مرور الناس، رددت لها تلاوة
قديمة، تعرفها زوجتي عن كثب طالما اجتررناها معا، عن رجل تعرف انه كان خير
البنائين، يوم ارتبطت به زوجة، اول من حمل طابوقة وكيس اسمنت، لهذا البرج
المتطاول علينا، بدأت اكشط لها جرحا غائرا نائما لا يهدأ، وانا انحب نحيبا
قاسيا، فيما كان نشيجها الباكي، يتحول صراخا، الى عنان البرج العالي، الامر
الذي غمرنا بفيض متواصل من العملات النقدية الجديدة (التي غادرها بلا رجعة
رئيس مدينتنا) والذي يقال انه تدخل كعادته لوضع التصميم النهائي والاخير،
لاقامة هذا الصرح العملاق، وما تحته من حياة تتآكل تماما في عربة من خشب.
لا تطلق الرصاص
عبد الحميد الجباري
فقد في الحرب،لم يعرف مصيره،فيما اذا كان شهيدا او اسيراً؟ ترك زوجته حاملاً
وطفلاً صغيراً، تعرضت الزوجة للعوز والفاقة،كانت تسكن جوار عائلة ثرية..هذه
العائلة كانت محرومة من الانجاب، كانت هذه الجارة تعطف على هذه المرأة التي
فقدت زوجها وتساعدها على تدبير شؤونها المعاشية.
اقتربت ايام الولادة،وصحة المرأة تزداد سوءاً لذلك طلبت من جارتها-والدموع
تنسرب على خديها ان تعدها،اذا ما حدث لها مكروه،اثناء الولادة ان تتبنى
المولودة الجديدة اذا كانت انثى وتعتبرها هدية لها وعرفاناً بالجميل وضماناً
لمستقبل هذه اليتيمة.اما الصغير فقد اعطتها عنوان اقارب لها ليتولوا رعايته،
توفيت المرأة اثناء الولادة،بعد ان انجبت طفلة جميلة،برت المرأة بوعدها
وسارعت الى تسجيل الطفلة باسمها واسم زوجها،اما الطفل فقد بعثت به الى
اقاربه واوصتهم به خيراً حسب رغبة الام المتوفاة.
مع مرور السنين كانت"دلال" تنمو وتكبر وتزداد جمالاً واشراقاً، وانهت
الدراسة الابتدائية والثانوية والجامعية بتفوق لافت.كان الاب والام
يغمرانها بالحب والحنان، وصارت بهجتهم وسعادتهم واملهم في الحياة.
بعد تخرجها توظفت في احدى الدوائر الحكومية كانت جميلة وهادئة فصارت موضع
حب زملائها وزميلاتها لاسيما "هيفاء" التي ارتبطت معها بصداقة متينة..حتى
تطورت هذه الصداقة،وباتت "دلال"و "هيفاء" تتبادلان الزيارات في بيتيهما.
ذات يوم ذهبت "دلال" مع هيفاء الى منزلها كان"عدنان" شقيق هيفاء الاكبر
موجوداً في البيت،لفتت انتباهه هذه الفتاة المشرقة الجميلة سأل شقيقته عنها
فقالت له:انها صديقتي "دلال" وزميلتي في العمل،ثم سألها اذا ما كانت متزوجة
او مرتبطة فاجابته بالنفي.
مع مرور الايام وتكرار الزيارات بين الصديقتين ازداد اعجاب "عدنان" " "بدلال"
وتحول الى حب كبير..بعد ان تحدث معها كثيراً،فراقت له بجمالها وثقافتها
وبساطتها،وكان "عدنان" حين اكمل دراسته الجامعية قد آثر العمل مع والده في
ممارسة العمل التجاري.
اخيراً تقدم عدنان لخطبة دلال وتمت الموافقة وبدأت الافراح وكان يوم الزفاف
يوماً مشهوداً.
بعد ان استقرا في عش الزوجية لوحدهما، كان عدنان يشعر بسعادة غامرة،حتى انه
اقترح على زوجته ترك الوظيفة والتفرغ التام لسعادتهما لاسيما وانهما ليسا
بحاجة الى مرتبها وقد وافقت دلال على ذلك بكل سرور وتفرغت لبيتها وحياتهما
التي ترفرف عليها اجنحة السعادة.
مع مرور الايام لاحظ عدنان ان دلال اختفت عن وجهها ابتسامتها المشرقة بدت
مهمومة وكأنها تحمل سراً خطيراً لا يمكن اخفاؤه.
ذات يوم عاد (عدنان) من العمل ولاحظ وجود اعقاب سجائر في المطفأة وهو لا
يدخن ولاهي ولما سألها عن وجود هذه الاعقاب بدا عليها شيء من الارتباك،
لكنها تنبهت الى نفسها واخبرته وهي تبتسم ان جارتها قد زارتها هذا اليوم
وهي من المدخنات.
بعد مرور بضعة ايام، عاد الى البيت قبل موعد عودته المعتاد..لمح شاباً
يغادر منزله،احس بالنار تسري في جسده وبدوار في رأسه وبقلبه يدق بعنف،تحسس
مسدسه وسحبه..ثم اعاده الى غمده، دخل البيت بشكل اعتيادي،سلم على
زوجته،لكنه لم يقبلها كالمعتاد ولم يسألها عن الشاب الذي خرج من
المنزل..لقد بيت امراً رهيباً،وقرر ان يشدد الرقابة على المنزل حتى
يفاجئهما بالجرم المشهود!!
بعد مرور بضعة ايام عاد الى البيت مبكراً ..رأى الشاب نفسه يدخل الى بيته
مرة اخرى، اوقف سيارته بعيداً عن البيت وترجل واتجه صوب المنزل..قال
لنفسه،الان حانت ساعة الانتقام دخل الى البيت بحذر وهدوء تام،اخرج مسدسه من
حزامه،اجتاحته موجة من الانفعال قال يحاور نفسه:هل اقتلهما معاً؟ ام لوحدها؟
واترك الزاني لحال سبيله؟ لماذا لااطلقها واترك الوغد يذهب؟
كلا..والف كلا!! لن يشفى غليلي ويطفأ نار غضبي الا اذا قتلتهما وجعلتهما
جثتين هامدتين؟!
حين وصل الى المطبخ،سمعهما يتحاوران:قال لها العشيق
-هل زوجك يعلم؟قالت
-كلا..وانا خائفة!!قال
-لماذا لاتخبريه بالامر؟! لماذا لاتقولين له الحقيقة؟قالت -انني اخشى
العواقب!.
كان عدنان ينصت الى حوارهما ورأى من خلال فتحة في الستارة الشاب يجلس على
كرسي وهو يدخن ويبدو عليه الاضطراب وهي تجلس قبالته وبينهما طاولة عليها
اقداح الشاي..هم بان يقتحم عليهما المكان ويقتلهما ولكنه سمع زوجته تقول
للغريب:
ان زوجي لايعلم بأن لي شقيق وانك شقيقي!!
فوجىء "عدنان" بهذا السر الخطير..هدأت اعصابه بعض الشيء،اعاد المسدس الى
غمده..شعر كأنه استيقظ من كابوس مخيف، انسحب بهدوء الى خارج البيت وذهب
مباشرة الى اهل زوجته،قبل ان يتكلم قال له والد "دلال":لقد اتصلت بنا "دلال"
هاتفياً واخبرتنا ان "سمير" شقيقها موجود عندها في البيت وحين تزوجت "دلال"
كان "سمير" شقيقها في السجن بتهمة سياسية وهو ناشط سياسي ومطارد الان من
جهاز الامن لنشاطه السياسي ضد الحكومة،وهو يمر بظروف صعبة فيزورنا احياناً
ويزور شقيقته وها انذا اقول لك الحقيقة وكان يجب ان اخبرك بهذا الامر قبل
هذا الوقت.
احس"عدنان" بارتياح كبير وقال يخاطب نفسه:حمداً لله ان بعض الظن اثم كدت
اقضي على اعز مخلوقة على قلبي واحطم حياتي وارتكب جريمة حمقاء يذهب ضحيتها
اناس ابرياء واندم عليها طوال حياتي كما ندم قبلي "ديك الجن" !
إليوت وقصيدة النثر
مارغريت س. مورفي
ترجمة / خالدة حامد/2
إن هذا السرد الموجز يخص أزمة لحظة واحدة، زمناً موسّعاً بسبب عواطف متأججة
و" مرض " سايكولوجي حديث. المثير أن قصائد النثر الإليوتية الأخرى، التي
ظلت مخطوطة، تنطوي على إحساس مماثل بوجود أزمة سايكولوجية. وفيما عدا
قصيدته " استبطان " ـ التي هي اليغوريا بالدرجة الأساس ـ فإنها تمثل سروداً
داخلية تتوسع للحظات قليلة من الزمن عن طريق تضخيم الأحاسيس والإدراكات
الحسية إلى نسب هائلة لتتمخض هلوسة وصدمة عند الراوي (9). ما الذي يحدث
بالضبط في "هستيريا"؟ جملها الأربع تروي كل واحدة منها مرحلة مختلفة في
التجربة الهستيرية لبضع لحظات من الزمن. أما الصوت المفرد ـ الراوي المضطرب
ـ فهو شخصية سلبية تحاصره ضحكة رفيقته العدوانية، أي العارض الهستيري. ومع
ذلك، لا يعرف القارئ ما إذا كانت المرأة نفسها هستيرية حقاً أم لا نظراً
لعدم وجود وجهة نظر موضوعية (10). وبدلا من ذلك، تثير ضحكتها "الهستيرية "،
كما يبدو، نوبة هستيرية في مُحاوِرها كما لو أن المرض معدٍ. وقد جرى العرف
على عدّ الهستيريا مرضاً نسائياً ناتجاً عن اختلاطات في الرحم، ولهذا يقدم
إليوت انعطافة لا معتادة وأخّاذة، في الوقت نفسه، لأثر المرض في الرجل. لكن
الدينامية بين المرأة والرجل تصور أيضاً انغمار الذات في الآخر؛ إذ يتصور
الراوي غمرها له (11): " انجررتُ إلى الداخل إثر شهقات قصيرة، مستنشقاً عند
كل استعادة مؤقتة، حتى ضعتُ أخيراً في كهوف بلعومها المعتمة، منجرحاً
بتمويجة رخويات عضلية لا تُرى ". غنائية " أنا " لا تعد راوياً غير موثوق،
بل راوياً تهدده امرأة يراقبها هو؛ إذ أن هستيريتها الجنسية، " اهتزاز
نهديها "، يُشظي التجربة، " ما بعد الظهيرة "، بالنسبة له. تتأوج الجملة
الأولى من القصيدة ـ التي تروي العملية التي من خلالها يضيع الراوي نفسه في
ضحكتها ـ في صورة " أسنانها " بوصفها " محض طالع عارض له موهبة المارش
العسكري ". إنه يشعر بهجوم " شُهبها" التي تتصرف كما لو إنها جنود تتدرب؛
إنها هي العدو. ثمة تورية على كلمة "أسنان" بوصفها " طالع "، في حين توحي
الصورة نفسها بالقَـدَر، إذا علمنا شكل " الطالع ". وذكرت ايلين شولتر في
كتابها عن الهستيريا، وعنوانه "المرض الأنثوي: النساء والجنون والثقافة
الإنكليزية 1830 ـ 1980"، أن أول تفشٍ واسع النطاق للأعراض الهستيرية بين
الرجال حدث خلال الحرب العالمية الأولى، وأشير له على نطاق شائع بتسمية "
صدمة القذائف " [وهو اضطراب عصبي أو عقلي يتميز بفقدان الذاكرة أو الكلام
أو البصر ويظهر عند بعض الجنود الذين يخوضون غمار حرب حديثاً ]. وقد فسرت
شولتر الجذور الاجتماعية والسايكولوجية لهذه الهستيريا الذكورية على النحو
الآتي: لاشك في أن عدداً من أشهر حالات صدمة القذائف ـ ويلفريد اوين،
سيغفريد ساسون، ايفور غورني، بيفرلي نيكولز، وهذه مجموعة قليلة من بين
كثيرين ـ كانوا شاذين جنسيا. وبالنسبة لمعظمهم فإن الكرب المتأتي عن صدمة
القذائف ينطوي على حصارات نفسية اكثر عمومية، بل أشد، تخص الرجولة، ومخاوف
التصرف بتخنث، بل حتى رفض الاستمرار بخدعة السلوك الذكوري الرزين. فإن كان
جوهر الرجولة هو ان لا تشتكي، كانت صدمة القذائف عندئذ لغة جسد الشكوى
الرجولية؛ احتجاجاً ذكورياً متخفياً لا على الحرب فحسب، بل على مفهوم "
الرجولة " نفسه (.(12
في قصيدة النثر الإليوتية هذه نجد أن الراوي صيرّته هستيرياً بقوة، أي لا
ذكورياً، امرأة متسلحة بأسنانها مثل وحش شديد الضراوة؛ إنها مصدر مخاوفه عن
الذكورة. إنها صورة لشهوة جنسية عارمة وغامرة؛ صورة لـفَرْج بأسنان موحياً
بحرب مفروضة حديثاً. ولم يؤلف إليوت قصيدته بعد فترة طويلة من زواجه من
فيفيان هي وود الذي سرعان ما تبدت تعاسته؛ أي الفشل الذي غالباً ما تلام
عليه اضطرابات فيفيان العصبية. لن أتبنى هنا مقاربة سايكوبايولوجية (13)،
لكني سأركز على حقيقة ان إليوت اختار هذا الشكل الملغز أخلاقياً ـ إذا ما
أردنا تصديق بابت ـ لتصوير لحظة القلق الجنسي بلغة تستدعي " تخنيث " الجزء
الأعظم من الذكور الإنكليز. كما تُبدي القصيدة، بوضوح، مخاوف التصرف مثل
امرأة، ومخاوف عدم الارتقاء إلى التوقعات الرجولية، ومع ذلك يعد المرض
احتجاجاً على سلطة المرأة، لا الحرب. فما تبعات هذه " النوبة "؟ مؤقتاً "
تضيع " الذات المتكاملة" [للمرأة] و " تنجرح في داخلها. إنها رحلة إلى "
قلب الظلام " حيث يكون بلعوم المرأة. وحينما يحول المتكلم بصره نحو الخارج؛
نحو المشهد ونحو شخصية ثانوية في هذه الدراما ـ النادل ـ يلحظ دراسة في
التوتر العصبي حينما يفرش النادل مفرش المائدة بـ " يدين مرتعشتين "، بينما
يكرر اقتراحه بأن يشرب " السيد والسيدة " شايهما في الحديقة " (14). ولأن
الراوي غير موثوق، لا يعرف القارئ ما إذا كان النادل حقاً يرتعش ويكرر نفسه
لغرض الإصرار، أو ما إذا كان ارتجافه مبالغة من الراوي شديد الهياج. وينتج
التكرار عن حالة الراوي الذهنية الذي لا تصله الألفاظ إلا كاسطوانة مشروخة،
كما لو أنه عالق في لحظة صدمة أبدية، وحيدة، متكررة. ولاشك في أن اقتراح
النادل يوحي بأن المشهد محرج اجتماعياً ولهذا يشعر الراوي بالخزي إلى جانب
كونه هستيرياً.
الجملة الأخيرة لحظة قرار حقيقية بالنسبة للمتكلم يتصور فيها استعادة ممكنة
فقط إن تمكن من التصرف، مركزاً " انتباهه بدقة مرهفة " لإيقاف اهتزاز
نهديها. إن هذا التفصيل، شأنه في ذلك شأن الأسنان المهاجمة أو البلعوم
الجارج، يعد هزلياً لأن مخاوفه تتضخم إلى نسب مضحكة إلا أن التردد في هذه
الجملة الأخيرة يعزز انطباعنا بعجز المتكلم ووقوعه ضحية أمام المرأة. لكن
هذا الراوي، مثل الملك الصياد في " الأرض اليباب "، يجمع " الشظايا لهذه
الغاية؛ ولهذا يجلب قصيدة النثر إلى خاتمتها. تعتمد الحكاية بأكملها على
المشهد الذي يكون فيه لانتهاك اللياقة الاجتماعية دوراً. ويتضح أن نوبة
هستيريا الفعلية تعدّ تجربة غير لائقة أثناء " تناول الخبز المحمص والشاي "
( إذا اقتبسنا من " بروفروك " ). وتبتعد نغمة صوت المتكلم عن الحدث أشبه
بنغمة صوت المراقب العلمي أو، بدقة أكبر، المشارك السلبي، أي السايكولوجي
الذي يقوم بالتدوين أثناء تحليل الذات:" أدركتُ أني صرتُ متورطاً في ضحكتها
وجزءاً منها ". المتكلم يُسهب، هازلاً، مع ذلك فإن تضخيمه للتفصيل وإحساسه
بأنه يتعرض لهجوم يُبيان كيف شارف على الانهيار العصبي، وكيف لا يتمالك
نفسه إلا عبر قدرته على تدوين التجربة؛ وبذا فهو يضع نفسه وراءها. وبوصفها
مبالغة في الإدراكات الحسية المتبادلة في لحظة قصيرة، تبدو قصيدة النثر
متحالفة مع تجارب سرد تيار الوعي والنظريات البرغسونية للزمن والإدراك
الحسي (15). لكنها بوصفها نثراً تعدّ أقل تجريبية بكثير من قصائد نثر وليام
كارلوس ويليامز وغيروترود شتاين. فهي لا تُربِك الخطاب عند مستوى النحو أو
التركيب أو الدلالة، بل تكون مُربِكة بالدرجة الأساس عبر التوتر الحاصل بين
حالة الراوي الهستيرية ونغمة صوته تحديداً، والإحساس بلحظة موجعة تتعاظم
بنسب هائلة. ان راوي " هستيريا" يسقط قدراً من الرعب الذي يكون غائباً في
قصائد معاصرة كتبها إليوت، مثل قصيدته الهزلية " السيد أبوليناكس " التي
تتمثل ثيمتها المركزية بضحكة مدوية تمثل، بدلاً من ذلك، تفوقاً فكرياً
وشهوانية ذكورية عارمة، وعُته واضح:
السيد أبوليناكس
حينما زار السيد أبوليناكس الولايات المتحدة
رنّت ضحكته بين أواب الشاي.
فكرتُ بفراجيليون* لاتلك الشخصية الخجولة بين أشجار البتولا،
وبـ "برايبوس" [إله الفحولة] بين الشجيرات يُحدق، بانشداه، بالسيدة التي في
الأرجوحة.
في قصر السيدة فلاكيوس، عند البروفيسور تشاننغ ـ تشيتا **
ضَحِكَ مثل جنين لا مسؤول.
ضحكته كانت عميقة لا تُسبّر
أشبه بضحكة " الشيخ والبحر "
خفية تحت جزر المرجان
حيث انجرفتْ أجساد الغرقى القلقة إلى أعماق الصمت الأخضر،
ساقطة من أصابع الأمواج المتكسرة.
بحثتُ عن رأس السيد أبوليناكس متدحرجاً تحت كرسي.
أو مُكشراً فوق حجاب مصباح
وطحالب البحر في شعره.
سمعتُ وقع حوافز القنطور*** فوق المرج القاسي
بينما كان حديثه الجاف والشهواني يلتهم ما بعد الظهيرة.
" إنه رجل ساحر " … " لكن، الأهم، ما قصده؟ "
" أذناه مثقوبتان … إنه غير متزن ولا ريب"
" كان ثمة شيء قاله من أنني ربما تحدّيت ".
عن الأرملة النبيلة السيدة فلاكيوس والبروفيسور والسيدة تشيتا
أتذكر شريحة ليمون وقطعة معكرونة مقضومة. (16)
* اسم يوحي بالمتخنث،
** وفقا لزوجة ايليوت انه استاذ ايليوت في جامعة هارفارد
*** كائن خرافي نصفه رجل ونصفه فرس
مسرحية للاطفال
اغنية الملك
حيدر غازي سلمان
الشخوص:
*الفلاح/ *الفلاحة/ *الاميرة/ *الملك/ *فلاحون وفلاحات/*حاشية القصر وجنوده
****
)اللوحة الاولى)
)بستان ثماره يانعة، وصوت زقزقة العصافير، فلاحون وفلاحات يبدأون بجني
الثمار).
الفلاح: الله.. ما انضج هذه الثمار
الفلاحة: ان الاشجار سعيدة ومبتهجة.
الفلاح: انها تبتهج بغناء العصافير. (تتصاعد زقزقة العصافير).
الفلاحة: ما اجمل اغنية هذه العصافير (تلتفت الى الفلاح).. لقد جعلت الثمار
يانعة والاشجار دائمة الخضرة.
الفلاح: ما اجمل ان تكون لكل مخلوق اغنيته.
الفلاحة: ان لكل مخلوق اغنيته.. ولكن الاجمل (تقطع تفاحة ناضجة) ان يسخر كل
مخلوق اغنيته للخير..
الفلاح: وهل علينا ان نغني.
الفلاحة: سنزداد بهجة وسروراً الفلاح:لنغني اذن (يلتفت الى الفلاحين
والفلاحات).. ايها الفلاحون.. ايتها الفلاحات... هيا لنغني جميعا (يبدأ
الجميع بالغناء وهم يجنون الثمار ويرقصون).
****
على الغصون ها هنا عصفورنا الجميل
بصوته غنى لنا عصفورنا الجميل
في عالي الافنان من اجمل الالحان
بصوته غنى لنا عصفورنا الجميل
****
قد طار فوق الغاب والحقول مرفرفا في السفح والسهول
قد رف جنحا في الفضا يشاكس الريح مضى
بصوته غنى لنا عصفورنا الجميل
****
قد مرت الايام والفصول وقد بقي العصفور في الحقول
رأى اناسا زرعوا رأى اناسا حصدوا
وعنهم يحكي لنا عصفورنا الجميل
****
للوطن الكبير والاطفال قد زقزق العصفور في ابتهال
تدوم يا خير وطن تدوم ما مر الزمن
وعشه في قلبنا عصفورنا الجميل
****
)اللوحة الثانية(
)تضاف الى البستان واجهة لقصر الملك(.
الملك: (ذهابا وايابا امام عرشه يحدث نفسه) آه... لقد اصابني الملل.. لا
شيء يمتعني..
الاميرة: (تدخل على الملك مؤدية التحية) ابي... ماذا اصابك؟
الملك: آه يا ابنتي الحبيبة.. لقد اصابني الملل، لا شيء يمتعني.
الاميرة: حسنا يا ابي سأبعد عنك الملل واضفي عليك البهجة والسرور (تصفق
بيديها فيدخل مهرج يرقص ويؤدي حركات بهلوانية).
الملك: كفى.. كفى.. توقف.. لقد مللت رقصك.
الاميرة: ابي انه مهرجك المفضل.
الملك: لقد مللته.
)يخرج المهرج فتصفق الاميرة من جديد ويدخل شاعر يمدح الملك: ايها الملك
الحبيب.(
الملك: كفى.. كفى.. اصمت.. لقد مللت مديحك.
الاميرة: ابي انه شاعرك المفضل.
الملك: لقد مللته.
)يخرج الشاعر فتصفق الاميرة من جديد ويدخل مغن يعزف ويبدأ بالغناء: لا لا
لا.. لا لا لا...(
الملك: كفى.. كفى.. اصمت ... لقد مللت غناءك.
الاميرة: ابي انه مغنيك المفضل.
الملك: لقد مللته.
الاميرة: اذن.. ماذا يطلب الملك لنؤنسه؟
الملك: يا ابنتي الغالية، لقد اصابني الملل.. اريد.. اريد.. (يعلو صوت
زقزقة العصافير) اسمعي.. ما اجمل اغنية هذه العصافير. (يلتفت الملك يمينا
ويسارا مناديا) ايها الحراس.. ياحاشية. (يدخل الحرس والحاشية: امر مولانا
الملك).
الملك: احبسوا هذه العصافير لاتسلى بصوتها الجميل.
)اللوحة الثالثة(
)عودة لمشهد البستان، الفلاح يجلس حزينا وسط البستان، فتدخل عليه الفلاحة).
الفلاحة: مالي اراك حزينا ايها الفلاح الطيب.
الفلاح: لقد قلت الثمار.. وجفت الاغصان.. وذبلت الازهار الفلاحة: يا الهي.
الفلاح: الاشجار لم تعد سعيدة كعهدها.
الفلاحة: (تنظر الى الاشجار) يا الهي.. انظر كم هي حزينة
الفلاح: سيقتلنا الجوع ان لم نجد حلا لهذه المشكلة.
الفلاحة: هل وضعتم السماد للارض؟
الفلاح: لقد فعلنا.
الفلاحة: اسقيتم الارض؟
الفلاح: لقد فعلنا.
الفلاحة: وهل اهملتم شيئا.
الفلاح: لم نهمل شيئا.. ولكن (يقف الفلاح وقد تذكر شيئا) لم نسمع عصفورا
يغني منذ مدة طويلة.. لقد فارقت العصافير الاشجار.
الفلاحة: يا الهي.. لقد سمعتها تزقزق في قصر الملك.
الفلاح: في قصر الملك.. وماذا تفعل هناك؟
الفلاحة: يقال بأن الملك اصابه الملل.. فحبس العصافير لتؤنسه.
الفلاح: انها ملك الجميع.. فلماذا يحتكرها لنفسه؟
الفلاحة: قد يجهل عواقب فعلته.
الفلاح: يجب ان نطلق سراح العصافير.. باية طريقة.
الفلاحة: ولكن الملك لن يطلق سراحها.. لقد ازالت عنه الملل.
الفلاح: ونحن سيقتلنا الجوع.. ان لم ترجع العصافير فوق هذه الغصون لن نجني
ثمارا بعد اليوم وستظل اشجارنا حزينة.
الفلاحة: لدي فكرة.
الفلاح: ما هي؟
الفلاحة: سأذهب لمقابلة الاميرة، واعرض عليها الامر، واعتقد بانها خير من
يساعدنا.
الفلاح: هيا بنا.
)اللوحة الرابعة(
)عودة لمشهد القصر(
الاميرة: ها يا ابي.. اراك مبتهجا.
الملك: يا ابنتي الحبيبة لقد ادخلت هذه العصافير السرور الى قلبي.
الاميرة: ادام الله عليك السرور يا ابي.
الملك: (يصيح منزعجا وقد تذكر شيئا) يا حاشية.. يا حاشية..
الاميرة: ما بك يا ابي... ما الذي عكر صفوك؟
الملك: منذ ايام لم اكل فاكهة يجب ان اعاقب الجميع.
)يخرج الملك وتدخل الفلاحة والفلاح على الاميرة.(
الفلاحة: كيف حال اميرتنا الحبيبة؟
الاميرة: مرحبا بفلاحتنا الجميلة. (تنظر الى يد الفلاحة وتكمل) اين الفاكهة
اللذيذة التي عودتني عليها؟
الفلاحة: مولاتي الاميرة.. لقد قلت الثمار.. وجفت الاغصان.. وذبلت الازهار.
الاميرة: ولماذا.. الم يعد الفلاحون يعتنون بارضهم؟
الفلاحة: بلا ايتها الاميرة.. انهم يسهرون الليل، ويعملون تحت اشعة الشمس
نهارا.. ولكن..
الاميرة: ولكن ماذا.. تكلمي ايتها الفلاحة الطيبة؟
الفلاحة: لقد اتيتك ايتها الاميرة.. يا محبوبة كل فلاح وفلاحة.. اتيتك
لاقول لك ان الارض تخضر والاشجار تينع والثمار تنضج عندما يكتمل غناؤنا
جميعا.
الاميرة: ومن لا يغني معكم؟
الفلاحة: لقد فارقت العصافير اشجارها.
الاميرة: ماذا.. العصافير فارقت اشجارها؟
الفلاحة: نعم ايتها الاميرة الحبيبة.. ان الملك.. (يضع الفلاح يده على فمها
ويسكتها).
الاميرة: لماذا تسكتها ايها الفلاح الطيب قولا ما عندكما ولا تخشيا شيئا.
الفلاحة: مولاتي الاميرة.. ارجو ان تعذري كلماتي.. فانك ان لم تساعدينا لن
نجني بعد اليوم ثمرة واحدة.
الاميرة: تكلمي ايتها الفلاحة.. تكلمي.
الفلاحة: ان ملكنا المعظم.. ادامه الله.. حبس العصافير، فقد انسته واذهبت
عنه الملل.. بينما حزنت الاشجار وما عادت تثمر.. واني ارجوك يا اميرتنا
الغالية ان تقنعيه باعادتها وفتح اقفاصها..
الاميرة: (تفكر قليلا) حسنا ايتها الفلاحة الطيبة، ولكن عليكما ان تبقيا
معي لنحاول جميعا ان نقنع الملك.
)اللوحة الخامسة(
)المشهد نفسه بحضور الجميع(
الاميرة: يا ابي اعرفت لماذا لم تاكل فاكهة منذ ايام؟
الملك: (يجلس على عرشه) كلا يا ابنتي الغالية.. حتى هذه العصافير بدأ
غناؤها يقل شيئا فشيئا.
الاميرة: وان بقيت في هذا الحبس ستموت.
الملك: ماذا.. تموت!
الاميرة: نعم يا ابي... انها لا تجيد الغناء الا على الاشجار.
الملك: قد تتعود على ذلك.
الاميرة: والاشجار بلا عصافير ستبقى حزينة ولن تثمر.
الملك: قد تثمر فيما بعد.
الاميرة: والفلاحون بلا اشجار.. ماذا يفعلون؟
الملك: قد يجدون عملا اخر.
الاميرة: ونحن بلا فلاحين لن نأكل فاكهة بعد اليوم.
الملك: ماذا.. لن نأكل فاكهة بعد اليوم.. لهذا السبب لم آكل فاكهة منذ
ايام.. (يقف الملك فينحني له الحضور، يتمشى قليلا ويفكر) ايها الفلاحون..
ايتها الفلاحات.. ان لم تغني العصافير على الاشجار لن نأكل فاكهة بعد
اليوم.
الفلاحون والفلاحات: نعم مولانا الملك.
الملك: ولكن غناءها انسني طوال هذه المدة.
الاميرة: وستؤنسك اكثر على اشجارها وليس في قفص.
الملك: وان رحلت ولم تعد.
الاميرة: لن ترحل يا ابي.. ان وطن العصافير الاشجار وان ابعدتها عنها
ستموت.
الملك: (يفكر ثانية) حسنا.. حسنا.. سنطلق سراح العصافير.
الفلاحون والفلاحات: عاش الملك.. عاش الملك.. (يعلو صوت زقزقة العصافير).
الفلاح: لنغني لملكنا.
الفلاحة: ولنغني لاميرتنا.
الاميرة: لنغني للحب.
الفلاحون: لنغني للخير.
الفلاحات: لنغني للجمال.
الملك: لنغني للوطن.
الجميع بصوت واحد: لنغني للوطن.
)يبدأ الجميع بالغناء(
علمنا العصفور نغني للحب وللخير نغني
والارض ستخضر في وطني الاكبر
****
بسواعدنا وبايدينا نزرع ارضا كي تعطينا
والخير سيثمر في وطني الاكبر
****
سنغني للارض ونعمل وسيصبح موطننا اجمل
والارض ستعمر في وطني الاكبر
****
اجيال تتبع اجيالا سنغني حبا وجمالا
والعشق سيكبر في وطني الاكبر
البريد الأدبي
نعنى بكل جديد وبكل ما يثري الفكر والإبداع...
لكننا لم نجد في الكتابات الآتية ما يجعلنا نقدمها لقرائنا..لذلك نعتذر عن
نشرها وهي: الأثر الخالد، حكاية بيضاء للقابعين، البطالة وردود الفعل، عنبر
الموتى، القطة أم الدمية، مرثية البانوراما، جماليات السرد الموجز، سأعدها
ساعني، شرود أبدي، إليك المشتكى - كما نعتذر عن نشر النصوص المسحوبة من
الانترنيت التي يرسلها إلينا عدد من الأصدقاء.. ومن بينها: الهجرة من
القدر، كنت أرى فرصة كثيراً، خطاب الكاريكاتير.
|