|
ابواب التآخي |
احتفلنا بعيد ميلاد ابنتي على سلة بيض
عدنان جبار الربيعي - الصين - ووهان - خاص
بالتآخي/18
( حتى إذا بلغ بين السدين وجد من دونهما قوما لا يكادون يفقهون قولا )
الكهف 93
"الطفل ،
يسبح في رحم الأرض
الأب ،
يعرق على الأرض
الجد ، يستريح أبدا تحت الأرض"
الشاعر الصيني زانغ كيجيا
أجلس وحيدا
أتأملهم وهم يمرون أمامي أطفالا، فتيانا ، نساء وشيوخا وعجائز.. وجوه غريبة
لكنها ودودة
أرى الحياة تنبض في تلك العيون الصغيرة وأراها بقوة أكبر في العيون التي
رسم الزمن حولها أطارا من تجاعيد !
في ملاعب الأطفال ، ذات يوم ، شاهدت مشهدا رائعا .. تلخص المشهد بثلاث نساء
أتين لمرافقة طفلة واحدة كانت وجوههن متطابقة تماما لكن الفرق كان واضحا في
وجود أو عدم وجود تجاعيد في الوجه !
إنتهزت زوجتي فرصة مقدرة أصغرهن سنا على التحدث بالإنكليزية فتوجهت لها
بالسؤال وتبين أنها أم الطفلة وأن المرأة التي تكبرها سنا أمها هي ، وأن
العجوز التي كانت ترافقهن جدتها !
تذكرت وأنا أشاهد الجدة قوة الحياة في عيون أستاذة إحدى المواد التي أدرسها
في الجامعة ، المتقدمة في السن ، حين أعلنت ذات يوم أن هوايتها المفضلة :
الغناء !
لايأس في تلك العيون أبدا .. أراهم يرقصون في الساحات كل صباح ومساء الشيوخ
مع العجائز أجساد فتية وحركات بطيئة ! يحبون الحياة ويحيونها لآخر لحظة شيخ
حزين وحيد أراه دائما في حينا ، وقد غزا الشيب رأسه يجلس لمراقبة الأطفال
وهم يلعبون ..
أطيل النظر إليه دائما ، بم يفكر هذا الشيخ ؟ لم أره مبتسما مرة واحدة
بخلاف الجميع .. أشعر أن وراء هذا الشيخ سرا كبيرا ! ذات أحد الأيام من شهر
نيسان ، توجهنا إلى مدينة ( خانكو ) التي تقع في الضفة الأخرى لنهر
اليانغتسي لغرض شراء ملابس وهدية ميلاد لطفلتي التي سيحل عيد ميلادها
الثاني بعد يومين..
حين أوقفت سيارة الأجرة عجبت لأن السائق كان إمراة كبيرة في السن .. جلست
العجوز منتصبة بشعر قصير وتجاعيد عميقة وقد إرتدت قفازا أبيض .. كانت
قيادتها للسيارة هادئة بطيئة ولا غرابة في ذلك إذ أنها كانت تقود السيارة
بحكمة !
في شارع ( جيان خي لو ) المشابه لشارع ( ون فوجين ) في بكين شاهدنا العشرات
من المحلات الأنيقة التي حوت مختلف البضائع ..
صممت البنايات على جانبي الشارع ، المرصوف بالحجر الصقيل ، على الطراز
الأوروبي ..
لم يكن الشارع سوى سوق طويل خال من السيارات بإستثناء سيارة كهربائية حمراء
صغيرة كانت تنقل المتبضعين والمتجولين ، ووضعت الكثير من المصاطب على جانبي
الطريق وإمتلأت مساحاته النظيفة بالناس أعجبتنا التماثيل النحاسية الرائعة
الكثيرة التي وضعت على طول الشارع ..
كنا نتجول ونلتقط الصور مع تلك التماثيل التي مثلت العديد من الصور
التراثية ..
مررنا بالعديد من التماثيل حتى توقفنا عند تمثال لشخصين يلعبان الشطرنج
الصيني ، تلك الرقعة الكبيرة ذات الأقراص الخشبية الكبيرة التي أراهم
يتحلقون حولها في كل مكان …
كان أحدهما جالسا ينظر إلى رقعة الشطرنج ، ويمسك بإحدى يديه مروحة يدوية
وإلى جانبة أبريق الشاي الصيني بينما وقف الآخر مبتسما وهو يمسك بكوب شاي
كبير ..
والشطرنج الصيني ( وي تشي ) نوع من الألعاب التقليدية التى أبدعها الشعب
الكادح فى العهود الصينية القديمة ويعد واحدا من أعظم أربعة فنون في الصين
القديمة ، إضافة إلى العزف على آلة تشين ( العود السباعي الوتر) وفن الخط
والرسم ، ويرجع تاريخه إلى ما قبل 3000 سنة وقد تأثرت قواعد وإستراتيجية
اللعب كثيرا بالمفاهيم الفلسفية الصينية القديمة
وهناك نوع آخر من الشطرنج الصيني يدعى ( شيانغ تشى ) ، وله تاريخ عريق أيضا
بالصين، وغالبا ما يستفيد الناس فيه لمعرفة فلسفة الحياة البشرية ، ورفع
قدرة الوعي والتفكير وفرحة الحياة
وتقسم أحجار لعبة ( شيانغ تشى ) إلى 7 أنواع ، الجنرال ، الموظف ، الفيل ،
الحصان ، العربة ، المدفع ، والجندى . ولكل منها وظيفة خاصة ، وإختلاف
الدرجات ، ويفوز من يتمكن من إبقاء الجنرال حيا إلى نهاية اللعبة ..
في مكان آخر شاهدنا تمثالا يجسد إمرأة تقف قرب صنبور ماء فيما ينحني رجل
أصلع الرأس ليحمل دلوا مليئا بالماء وقد ذكرني شكله بـتمثال ( السقا ) الذي
يحتل زاوية في المتحف البغدادي ببغداد وفي نهاية الشارع وقفت منبهرا أمام
نصب هائل جسد ثائرين بمختلف الأعمار كان الجميع متوثبا الفلاح بحجر والعامل
بمطرقة والشيخ بلحية كثة والشاب ملوحا بقبضة يده فيما وقفت إمرأة لتلوح
بيدها خلفهم وقد تلاشى جسدها مع الصخرة التي كانت تقف عليها.. بعد يومين
إحتفلنا بعيد ميلاد طفلتي الثاني بصمت
كانت شمعتها الأولى في بغداد تضيئ في عيون الأحبة الذين تجمعوا حولنا ، لكن
شمعتها اليوم تشعر بغربة قاتلة
كانت عبارة عن رقم (2) ذاب رويدا رويدا ووسط الصمت كانت أرواحنا تحاور
أحبتنا هناك وتحتفل ، على البعد ، معهم
في مساء اليوم التالي دقت جارتنا الصينية ذات الخمسين عاما باب شقتنا ..
كانت تلك هي المرة الأولى التي تطرق بها بابنا .. حين فتحت الباب فوجئت بها
وهي تحمل سلة مليئة بالبيض .. ألقت التحية وقالت لي أن هذا البيض هدية لنا
تعبيرا عن محبتها وزوجها لنا ولطفلتنا وأعطتني ورقة كتبت بها كلمات صينية
.. شكرتها كثيرا فيما هرعت زوجتي لإعطائها نصف كعكة عيد ميلاد طفلتي مخبرة
إياها إنها بلغت عامها الثاني اليوم ، لم تمكث جارتنا معنا طويلا حتى حيتنا
بإنحناءة الشكر المعتادة هنا ، مبتسمة ، وغادرت الشقة على عجل... في الليل
دق باب الشقة مجددا ، فقد أتت جارتنا هذه المرة وهي تحمل فستانا رائعا
لطفلتي وأعطتها إياها مهنئة وهي تتمتم قائلة ( جوني شاويي كواي لا ) !
والتي تعني ( عيد ميلاد سعيد لك ) ....عقدت الدهشة السنتنا .. لم نعرف كيف
يمكن لنا أن نشكر لها إدخالها البهجة على قلوبنا مرتين ذلك اليوم ..
بعد أيام حملت الورقة إلى صديقي الصيني ليقرأ لي ما جاء فيها .. قال لي
صديقي إنها أبيات شعر تصف محبة تلك الجارة وزوجها لك ولعائلتك وأنهما
يقدمان لكما سلة بيض من نوع خاص أتتهما من أهلهما في مدينتهما البعيدة
تعبيرا عن الرغبة في التواصل معكم ..
وهكذا نشأت علاقة خاصة بيننا وبين تلك العائلة رددنا لهما خلالها هداياهما
بهدايا كثيرة بدأت بطبق كبير من الخبز العراقي الذي صنعته زوجتي بنفسها ...
بعد أيام هطل المطر ...
قيل لي أن الربيع هنا إحتفال للمطر إستمر المطر لثلاثة أسابيع دون توقف ..
كانت السماء ملبدة بالغيوم الثقيلة بينما تواصل إنهمار المطر كشلال ماء ..
في الليل كانت السماء تزمجر وكان ضوء البرق يخطف الأبصار ..
لم أر في حياتي مثل ذلك المطر الغريب الذي يشبه إلى حد كبير نزيف جرح يبدو
من المستحيل إيقافه .. تذكرت وأنا أشاهد المطر المتواصل ذلك المشهد في
رواية ( مائة عام من العزلة ) لماركيز حين أمطرت السماء في القرية لأربع
سنوات وأحد عشر شهرا ويومين ، بعد مذبحة المزارعين من قبل الجيش ، ظلت
خلالها بطلة الرواية ( أورسولا ) تقول إنها تنتظر نهاية المطر لتموت وهو
الحدث الذي جرى بالفعل !
وهكذا بقينا ننتظر توقف المطر أملا في أن تشرق الشمس لكن الغريب حقا أن
الطحالب بدأت تنمو في خزانة الملابس والحيطان تماما مثلما جاء في الرواية !
كنت أنتظر وقوف المطر للذهاب برحلة جديدة في أرجاء المدينة إذ نصحني أحد
الأصدقاء بزيارة مكان يعد من أهم معالم مدينة ( ووهان ) ذلك هو ( خوانغ خي
لو ) ، الواقع على مقربة من ضفة نهر اليانغتسي القريبة ، وسنرى هناك ما جعل
هذا المكان التراثي الكبير مميزا..
الالتزام الديني والاخلاقي يغلق الابواب بوجه الايدز!
عادل عسكر سليم
لعل من اخطر الامراض التي تواجه الجنس البشري هو مرض الايدز والمعروف باسم
(متلازمة العوز المناعي المكتسب)ولقد ظهر الكثير من الاهتمامات والمخاوف
تجاه هذا المرض لم تبد لاي مرض اخر لما له من خطر كبير.
ان الايدز مرض ينهي بحياة المصاب الى الموت حيث لايوجد لدى الاطباء ولا في
معامل الادوية أي علاج مضاد له حتى وقتنا هذا وذلك ان الاصابة به ترتبط في
غالب صورها بممارسة الجنس وعلى الرغم من عدم معرفة كيف بدأت الاصابة به
لاول مرة ومما زاد من كثرة الغموض ان المرض كان منتشراً في بلدان كثيرة قبل
ان يتبين للعلماء وجوده واذ كانت الجهود العلمية تبذل لكنها عاجزة عن ايجاد
العقار او العلاج الذي يقي من الاصابة بالايدز لكن الطريقة الوحيدة هي
بالابتعاد عن اسباب الاصابة به.
وقد جاءت اهمية الدين والاخلاق ودورهما المؤثر في الوقاية من الايدز وكذلك
للمؤسسات الدينية ووسائل الاعلام وتأثير الاجراءات الخاصة بالوقاية واكتشاف
المرض على حقوق الانسان والزواج المبكر وواجبات الطبيب كلها لها دور فاعل
في التخلص من هذا المرض المميت.ولكن يبقى للدين الدور الاساس والمهم في
الوقاية منه حيث كانت جميع طرق العدوى بالايدز تدور في معظمها حول محور
المتع التي يجلبها الانسان لنفسه.والاساليب التي يباشر بها للحصول على هذه
المتع لكن التمسك بالتعاليم والقيم الدينية التي يفرضها ويوصي بها لمواجهة
الايدز وغيره من الامراض المنقولة جنسياً ليتأكد لنا ان التمسك بالتعاليم
الدينية والخلقية كفيل باغلاق معظم الابواب المفتوحة التي يدخل منها هذا
المرض الخطر الى حياة الانسان .
فمثلاً ان الاحكام في جميع الاديان السماوية تحل الزواج وترغب فيه وتحث
عليه وتحرم طرق الاستمتاع الجنسي الاخرى وانها تأمر بالمحافظة على القوى
العقلية للانسان وتحرم كل مايؤثر عليها من مخدر او مفتر، كذلك يحث الدين
على النظافة العامة والصحة العامة عناية تمنع الانسان من الوقوع في الاصابة
بالامراض المهلكة واهمها الايدز.
ان السلاح الوحيد هو اتقاء الشر قبل وقوعه حيث ان الله خلق الانسان في احسن
تقويم ووضع له اصولاً وقواعد تضمن له الحياة السعيدة والصحة السليمة ونبه
الى قيمة الصحة حيث كما ذكر في الحديث النبوي الشريف "من اصبح منكم معافى
في جسده،امناً في سريه،عنده قوت يومه فكأنما حيزت له الدنيا".
ان بيان التعاليم الدينية في شأن الاساليب التي تم ذكرها يكون امراً
اساسياً في بناء حواجز قوية للوقاية من انتشار المرض حيث ان الاخذ بنظر
الاعتبار التعاليم الدينية له الاثر الكبير في نجاح البرامج الصحية والتخلص
من هذا المرض نهائياً.
شرود أبدي
فاضل طلال القريشي
في ظلمة هذا الزمان الداجي من مذكرات طفل الحرب . اختار وابتعد عن براءته
زمن الطفولة المشلولة. وردة غصن مكسور فاقد لذكرياته ...كشمس مغيب تجر
خطاها متعبة مضناة جمعت شتيت الالوان و الاصباغ على ذوائد النخيل ...ارواح
شاردة في تيه المرح والعذاب و الحب تجرح القلب قيثارة الخريف و تنهدات رياح
رفيف التأملات الخاطفة على هوامش الصور العابرة نقية وادعة ومروعة في ظل
يضطرب يتجسد الشر تنطق رعب و موت مشاهد بشعة ...صور جثث متحللة ...حياة جسم
كائن حي وسط عنف اصيبت بشضية قذيفة كلها رعب و فزع توصف بالقبح فقدت احدى
عينيها ...دخلت اقرب مشفى...بقيت مبللة بالعرق والدم...ترتجف من كوابيس
لالهة جمال سوداء...جسد سقيم لطفله عمرها خمس سنوات في ثوب مهلهل خلق يوسد
رأسها المثقل تستيقظ في منتصف الليل في عالم من رغبات مجهولة تطلق احلامها
وسط مجامر جسدها في فجر طفولتها ... روح دافئه في عصر بارد بعطاء وادي
الرافدين تخطف الانظار... تأملات وروح شاردة حائرة... تتحدث مع ممرضة
مناوبة حول ذكرياتها عن قصف اهوج فقدت فيه عينها.
قال الطبيب ان الدماء النازفة أضحت سيوفا قاطعة تقتص من كل الطغاة الذين
يعيشون بدم فاسد.
تشب بأوار الجسد تنهش اديمه البشري 'ووخزات وهواجس واستغراق في شرود ابدي
طيلة تلك الليالي من الوان الالم 'واقسى من وخزات الضمير تحت عبء الالام و
الفضائع . اقداما فاجرة تطأ عيونها بأجساد تبكي دموع قلبها طبعت بطابع لا
يمحى وهكذا الدنيا... دنيا حالمة وطغيان بين الحيرة والضيق والصوت واللون
والرائحه... طفلة فطرية اللون... اندفاع محزن في تلويث الجمال... وردة تنثر
الاضواء بلا نور... مياه راكده بلا حيوية ولاطاقه لا تستطيع ان تمنح الخصب
للانسان.
قالت بابا حبيبي انني احلم انك قادم عند الصباح
لوحاولت يوما تمس ضفائري
اقترب الفجر... فتمايلت احلامي
همست بأذني بأكتئاب قائلة
ماما متى يعود بابا الحبيب؟ يأتيني بالفستان... بعروستي الحسناء... بالحنان
فمتى يعود
ابتاه ياأحلى حبيب
وقالت والدمع منها همل
امي ما عدت احلم ان اراه؟
همس الطبيب في اذن امها... اين ابوها؟
قالت بهمس ايضا مضى ولن يعود
مضى نحو الخلود
وطفقت نادية عند عودتها الى البيت وجدها(جدها) تفقأ عين دميتها وسط عزاء
مرفه عن العاطفه طفلة مشاكسة عنيفة تثير حقدا على مدى الحياة تساق اليه
قسرا... افكار تمر ببالها ترسمه عن المفقود عزيمة لا تخمد تجد السلامة
واقعا ملموسا في عبث ولهو يشيع ذبول في جسد يطويه و يحجبه النسيان تحت حب
نامي لعودة الربيع لشجرة يابسة عارية متفدعة ٍمن الجنون في ظلام رهيب حزه
فولاذ قاسي بين حقد وبغضاء ونظرة وداع على وجه باسم في لجة شفق احمر بلا
اصداء وانغام وخيال موكب كبير تلاشت اصداءه على انفجارات مؤذنة بأنتصاف
الليل لمنحى قريب يشتد فيه الضوء والظلمة معا. |
تاريخ العائلة سجال لا يثنيه الزمن
محسن حسين عناد
احتوت المجموعة القصصية (تاريخ العائلة)
للكاتب حنون مجيد علي اثنتي عشرة قصة تقاسمت احداثها وافكارها ورؤاها
الواقع المعيش للانسان. فهمومه ومعاناته واحباطاته وتفاؤله وعلاقته جسدها
الكاتب في هذه المجموعة ليضع امام الاخرين صراع هذا الانسان مع محيطه وما
يشكل هذا الصراع من امور وقضايا ومواقف يجب الاهتمام بها والالتفات
لاسبابها.
كون عمل القصة تصويرا لواقع حياتي باساليب فنية وابداعية تبرز دور الانسان
في انشاء وارساء عالم جميل باسس موضوعية حضارية يرفض التشويه والاستلاب
ويهتم بشكل الواقع وتحسنه.
فالكاتب في مجموعته (تاريخ العائلة) قرب مواضيعه كثيرا من افكاره ورؤاه
بطريقة حضارية حداثية ليرسم منها لوحة فنية بمنظور جميل تكشفت فيها الشخوص
والاحداث وتشعبت مسالكها مما جعلها محط انظار ومتابعة القارئ لما تميزت به
هذه الشخوص من حراك وحداثة وتفاعل شجع الفعل والحركة في النص القصصي على
سلوك مسلك ابداعي متميز ابتعد كليا عن الرتابة والترهل والاجترار وصقل
الالفاظ والافكار على وفق رؤية نقدية واقعية.
تم ذلك بفعل وعي الكاتب وثقافته والمامه بمادته الكتابية ونظرته المتفائلة
للحياة فضلا عن المفردة الذكية من لغة ناضجة خلقت صورة ورؤية مكنت الحدث من
التألق والحركة وبعثت في تجربة الكاتب الاستقرار والتوازن مما ساعده على
اقتناص اللحظة والمشهد وتوظيفهما لانضاج الفكرة ونموها.
لقد ايقن الكاتب ان حركة الحياة يواكبها فهم وادراك ووعي لكي يكون هناك شرخ
او فجوة تنعكس سلبا على الحراك الابداعي بحيث يصير الحدث قلقا يراوح في
مكانه مما يعرض الفكرة للخيبة والفشل.
فقصص تاريخ العائلة وعلى مدار نبضاتها استفادت من ذلك الحراك الحياتي
اليومي للانسان وما يحيطه فخلقت لنفسها وعيا خاصا بها وصدقا فنيا لادواتها.
فقصة (على ورق صقيل) تعد نموذجا يمكن استخدامه لتوضيح الابداع والتألق في
اسلوب الكاتب واختياره. كونها اشتملت على عناصر تقوم القصة وتبينها بحيث
تمكننا ومن خلال احداثها من ان نصل لجزئيات الحدث ودقائقه من دون الانتقاص
من ابداعات القصص الاخرى لانها تحمل كثيرا من المشتركات الفنية والجمالية
التي تؤهلها ان تكون نموذجا ايضا لوجود عاملين اساسيين. المضمون الجيد
والهادف واللغة القوية والشفافة البعيدة عن القساوة ليكتسب النص القصصي
جمالية مميزة وتثبت اللغة انها انعكاس روحي لمكنونات الكاتب نفسه.
يتعرف بطل القصة على صاحب الدكان الذي عرف فيه شيئا قديما. انه قاتل لصديقه
منذ سنين طويلة، فتتمحور في ذاكرته فكرة الانتقام منه والاخذ بثأر صديقه
بعدما تقرب منه وتعرف على عمله اليومي من دون اشعار الرجل بما هو مقدم عليه
وضمن معاناة وتصرف وتفكير يضعنا الكاتب حنون مجيد امام حقيقة ان الانتقام
قادم لا محالة ولا يمكن عبوره او تجاهله لما اقترفه صاحب الدكان من جريمة
واثم.
لقد خلق الحدث القصصي اسئلة وحوارات في ذهن القارئ عن الكيفية التي سوف
ينتقم من خلالها وهذا بعينه نجاح هيأه الكاتب لقصته فكان للمواصلة والتتبع
حضور طاغ في نسغ القصة.
لكن المفاجأة لم تكن كما ارادها القارئ، لقد اختار الرجل طريقة للانتقام
بعيدة عن الطريقة التقليدية فاحتل الصدق الفني حيز الحدث وترك وتائر القصة
تتصاعد بابداع بعيد عن الخطابة والتوعد والغدر مما شكل في جو القصة نوعا من
الحراك الفني استند على مقولة ان الانتقام ليس الوسيلة الوحيدة لاظهار الحق
كون العنف لا يخلق غير العنف فلا بديل امام الرجل الا الادانة والكشف
والتشخيص مما اضاف ذلك للحدث صدقا واظهر للقارئ سريرة الكاتب وتوجهاته
ورفضه لاشكال الانتقام والعنف كون العنف والانتقام في رأي الكاتب اسلوبا
للجبناء والعاجزين وفاقدي المبادئ والافكار.
ولكي اظهر اكثر الابداع والتألق في مجموعة تاريخ العائلة اتناول قصة (تمهل
فانها الحلاوة) وهي من القصص الجميلة والهادفة بافكارها وتنقلاتها
وحواراتها التي ميزتها عن باقي قصص المجموعة وذلك لاسباب عدة منها
المسؤولية وقدرة الحدث على الوصف والتحرك فضلا عن المضمون الرائع والجميل
الذي جسد تلك العلاقة الانسانية بين رجل في الخمسين من عمره وبائعة الحلوى
الفتاة الجميلة فكان للحوار دور كبير في جمالية القصة واظهار الافكار
والمواقف والعبر بعفوية صادقة بحيث اشعرنا الحوار اننا امام لوحة حياتية
رسمت لتؤكد سطوة الابداع الجديد والمتميز في عالم حنون مجيد الذي استفاد من
ثقافته ومسيرته الابداعية وهذه صفات مازال يحتفظ بها ويوظفها في كل عمل من
اعماله الابداعية.
المصادفة جمعت الرجل بالفتاة التي تبيع الحلوى على قارعة الطريق، هذا
اللقاء لم يكن في حسبان الرجل ولم يخطط له. لكن الظرف والمصادفة جمعتهما
وجعلته قريبا منها فكانت البداية لعلاقة ادخلته عالما جديدا من البحث
والتأكد بعد ان كان غارقا في عالمه البعيد عن الناس والمملوء بالتأملات
المجردة.
هذه النقلة الحياتية هي بداية الكشف والمواجهة للزمن الماضي وما كان يحمله
له من وحدة وانطواء وابتعاد ترسخ في وجدانه الذي ارهقته الايام فاضاع جزءا
جميلا كان له ان يعيشه.
اذن هذا اللقاء هو الحلم الجديد والايذان بالتخلص من ادران الماضي لان
الماضي لم يزرع في نفسه سوى القهر.
ان الاسباب التي دفعت الرجل لاحتضان الحلم واقتحام عالم الفتاة هو البحث عن
الكينونة والمواجهة. فمن خلال الحوار الجميل بينهما يتضح لنا انهما متفقان
في الرؤى والتصورات وما الخلافات الاخرى الا من باب التواصل والمناقشة.
فحالة التملك الجديدة عند الرجل هي محور القصة وهو احساس اراد الكاتب
اظهاره ليكون متساوقا مع نسغ القصة وتصاعد الفعل والحركة فيها.
فكان تساميهما رفضا لكل الممارسات التي مارساها سابقا. وهي حالة انسانية
اهتم بها وابرزها ليكون هناك حس انساني مشترك يجمعهما ويؤكد ان للحب سحرا
وقوة في اخضاع وتشذيب ما قد يعلق بالروح.
ان ما ميز نجاح هذه القصة فضلا عن حالتها الانسانية الكبيرة هو الحوار حيث
رسم في القصة افقا جديدا ليس لكل كاتب القدرة على صياغته او الاخذ به لانه
يحتاج الى مؤهلات لغوية وثقافية كبيرة. لان اللغة العالية والسمو الذوقي
والتلاقي الروحي يمهد الطريق ويفتح الافاق لرؤى وتصورات جمالية معطرة
بالشفافية والملاءمة. مما مهد للحدث من ان يقود افكاره وصوره بشكل متوازن
من دون اهمال قصدي للزمن والمكان لان هذين العنصرين صارا ثانويين قياسا
بحركة الحدث ونموه وتفاعله وهي ارهاصات تتولد من دون ان تفقد ايقاعها
الموسيقي الذي يرصن الحدث ويبعثه في كل صورة وموقف فجاء الحوار بعيدا عن
الثرثرة الفارغة اوالخواء الفكري بل هو ديناميكية نسفت السكونية واطلقت
العنان للوعي والتغيير فكان الحوار سجالا سيكولوجيا على مدار القصة. اهتم
الكاتب به مما رفع من حراك القصة واعطى للحدث فرصة اكبر لرصد عوالم
الشخصيات بحيادية من دون تدخل اخلاقي مقحم.
الكاتب عارف برموزه وامكاناته الابداعية والحدسية فساعده ذلك على التدفق
الخيالي الواسع فلم تحرم اية قصة في المجموعة منه. فكيان كل قصة مستقل عن
غيره في التوجه والتناول بحيث تخطو القصة عند الكاتب بثبات وموضوعية تمتلك
حداثة تميزها عن غيرها من القصص وهذا يعود الى مركزية الحدث والشخوص
وقوتهما فالتقت هذه الاحداث مع الواقعية لكن ليس بشكلها الساذج او
الفوتوغرافي انما الواقعية النقدية المعاصرة التي فيها المثابرة والولوج
والدقة في التحكم والافكار.
انها لا تقيد الحدث ولا ترسم شكلا مشوها للوعي. لان الوعي يبرز الظواهر
بشكلها الحقيقي المؤثر في النفس.
فالانسان في قصص تاريخ العائلة هو الغاية والهدف لانه المنطلق الذي نبني من
خلاله عالما جميلا فهو قيمة ابداعية تغني الحياة على وفق اسس حضارية
وجمالية فلا تطوله القدرية ولا تتلاعب في مصائره الغيبيات انما هناك وعي
ورؤية تنطلق الشخوص منها وتتحرك وهو حراك حياتي لان القصة القصيرة تعني
اعادة لتشكيل العالم وتفسيره واعادة تجديد الرؤية لرسم المجرى للانطلاق
كونها بحثا فنيا عن معنى الوجود وسعيا حثيثا للامساك باللحظة المتعلقة
وايقاف الصور والذكريات الهاربة وتخليدها فالقصة الناضجة تفتح الخيال على
نوافذ جديدة وتنتج عوالم وقيما جديدة.
لقد افلح الكاتب حنون مجيد من ان يصنع لنفسه منهجا فنيا في الكتابة صار
ساحته التي يتحرك ضمنها لكي يبقى قريبا من شخوصه واحداثه وافكاره، لان
الطريقة التقليدية في تناول الشخوص والاحداث لا تعطي للكاتب ثمارا لانها
بحاجة الى تضامن مبدئي واخلاقي لكي تكون التجربة ناجحة وغنية وهذا ما دفع
بالكاتب في قصصه هذه من مهاجمة المفاهيم الغريبة في المجتمع لاعتقاده ان
العالم عسير المعالجة لاموره فتراه يتلاعب باشيائه لكي يستثير التجارب التي
قد مارسناها لكي يوحي بتجربة غير مطروقة وهذا مسلك جديد ادخله الكاتب في
اغلب قصصه ليكون على بينة مما يكتب وليثبت ان الحداثة في الكتابة لا يمكن
ان تراوح في مكانها انما هي قفزة كبيرة ليس في عالم الحدث فقط بل في عالم
اللغة والاسلوب والتأمل.
فالغاء الزمن تارة والتكرار للمشاهد تارة اخرى هو تغيير للرتابة ليس الا.
الجميل في هذه المجموعة القصصية هذا الانتشار للاحداث وغزارة المادة بحيث
يشعرك عندما يصف موقفا ما انه يعيشه او كان معه لانه يدخل صميم الفكرة مع
تحضير جميل لاجواء الطبيعة ورموزها وتلازمها للحدث.
اذن المجموعة القصصية (تاريخ العائلة) للكاتب حنون مجيد ناجحة ومتألقة
مادام الكاتب يفهم الخصائص والطبيعة الفنية لعمله بحيث جعله وعاء مناسبا
لاحتواء رؤيته النابعة من احساسه بمشاكل الواقع وقدرته على استعمال ادواته
باتقان. فالصدق الفني في تناول الشخوص موجود انهم وعلى مدار كل قصة اشداء
متماسكون ازاءما يواجهونه من تحديات وضغوط بالرغم من بعض الشخوص الثانوية
المتشابهة بالسلوك والوعي مما اذاب ذلك جزءا من دورها في خضم صراع الفكرة.
فالشخصية القصصية عنده لها سمات يغوص لدواخلها ليشد نسيجها ويحلل مواقفها
على وفق الظرف الذي تعيشه بحيث اصبحت عادة اخلاقية خاضعة للزمن مما اعطى
لكل شخصية نكهة خاصة. فالانفعالية موجودة الى جانب العواطف الاخرى بحيث
تجعل القارئ يتألم ويثور ويهدأ اي ليس هناك حياد انما موقف واختيار وهذا
افرز انطباعا جميلا عن قوة اللغة وتقنيتها الرياضية والفكرية على التأثير
والهدف.
اخلاق رسول الرحمة نموذج للكمال الانساني
سؤدد السعيدي
ان آداب الظواهر عنوان اداب البواطن، وحركات الجوارح ثمرات الخواطر،
والاعمال نتائج الاخلاق، والاداب رشح المعارف، وسرائر القلوب هي مغارس
الافعال ومنابعها، وانوار السرائر هي التي تشرق على الظواهر فتزينها
وتحليها..
ومن لم يخشع قلبه لم تخشع جوارحه، ومن لم يكن صدره مشكاة الانوار الالهية
لم يفض على ظاهره جمال الاداب النبوية.
كما ان شيئا من اداب الرسول (عليه الصلاة والسلام) واخلاقه لتجمع مع جمع
الاداب تأكيد الايمان بمشاهدة اخلاقه الكريمة التي يشهد احدها بانه اكرم
الخلق واعلاهم مرتبة واجلهم قدرا، فكيف بمجموعها؟ سئلت عائشة رضي الله عنها
عن خلق رسول الله (صلى الله عليه وسلم) فقالت: كان خلقه القرآن، يغضب لغضبه
ويرضى لرضاه، ولما كمل الله تعالى خلقه اثنى عليه فقال: (وانك لعلى خلق
عظيم)، فسبحان من اعطى ثم اثنى..
وجملة من محاسن اخلاقه وصفاته الرائعة، حيث كان احلم الناس، واسخى الناس،
واعطف الناس وكان اشد حياء وكان يجيب دعوة المملوك، ويعود المرضى ويمشي
وحده، ويقبل الهدية، ولا يأكل الصدقة.
وكان يحب الطيب، ويكره الريح الخبيثة، ويكرم اهل الفضل، ويتألف اهل الشرف،
لا يجفو على احد، ويقبل معذرة المعتذراليه، لا يمضي عليه وقت في غيرعمل لله
تعالى، وما انتقم لنفسه الا ان تنتهك حرمات الله، وكان من خلقه ان يبدأ
بالسلام من لقيه وكان يجلس حيث ينتهي به المجلس مختلطا باصحابه كأنه احدهم،
فيأتي الغريب فلا يدري ايهم حتى يسأل عنه.
وكان طويل السكوت، فاذا تكلم لم يسرد كلامه، بل يثبت فيه ويكرره ليفهم
الذين حوله ما يقصده في كلامه (صلى الله عليه وسلم) وكان يعفو مع القدرة،
ولا يواجه احدا بما يكره..
وكان اصدق الناس لهجة، واوفاهم ذمة، واكرمهم عشرة، ومن خالطه معرفة احبه،
وكان اشجع الناس. ومن اعظم معجزاته، واوضح دلالته القرآن الكريم الذي عجز
الخلائق عن الاتيان بمثله، ومعجز كل نبي انقضى بذهابه، وهذا المعجز باق
ابدا.
لقد الهمنا الله تعالى معجزات كثيرة يجب ان نستغلها ونستثمرها وهي اشرف ما
في الانسان قلبه، فانه العالم بالله، العامل له، الساعي اليه، المقرب
المكاشف بما عنده، وانما الجوارح اتباع وخدام له يستخدمها استخدام الملوك
للعبيد.
ومن عرف قلبه عرف ربه، واكثر الناس جاهلون بقلوبهم ونفوسهم والله تعالى
يحول بين المرء وقلبه، وحيلولته ان يمنعه من معرفته ومراقبته فمعرفة القلب
وصفاته اصل الدين، واساس طريق السالكين. والقلب باصل فطرته قابل للهدى
واعلم ايها المسلم ان القلب مثل (الحصن) والشيطان عدو يريد ان يدخل الحصن،
ويملكه ويستولي عليه ويجعله مثل صفاته كحب المال والعجلة والبخل وحب
الشهوات والتعصب بالمذاهب وعدم التفهم للدين لان ديننا سمح قابل للتوبة
فيجب علينا ان نكون اقوى منه وان نتغلب عليه ولا نجعله يدخل قلوبنا لانه
اذا دخل هذا (الحصن) وبقي فيه فيمنعه عن ذكر الله تعالى، وقد ورد في احاديث
عديدة عن النبي (صلى الله عليه وسلم) منها يقول: (يا مقلب القلوب ثبت
قلوبنا على دينك، يا مصرف القلوب اصرف قلوبنا الى طاعتك). ومن يريد ان يكسب
رضا الله تعالى ومفازته بالاخرة عليه ان يعمر قلبه بالتقوى والايمان. |