|
ابواب التآخي |
التماثيل والصور...
صراع بين الحداثة والموروث!
يوسف
البياتي
نحن كغيرنا من الامم بدأنا من تحت الصفر باتجاه
الصفر متجاوزينه الى الاعداد الرقمية التي على اساسها يحسب تقدم البلدان
ونسبته. وخاصة فان تشعب التغيرات الدينية والاعراف المتخلفة جعلتنا في حالة
رعب ستمر من اي عمل نبدأ فيه خطوة باتجاه الصف وما بعده ورغم التطور الهائل
الذي ساد الكون بفضل العلم فلم نزل نسمع او نرصد هنا وهناك بعض من يتشبث
بافكار ما قبل الصفر ويكفر كل ما يصطدم بتلك الافكار وليس ادل على ذلك ما
حدث في افغانستان في بداية هذا القرن ولا ادل ايضا من ان الدولة العربية
الاسلامية بقيت تفتقر الى فنون الرسم والنحت فترة تزيد على العشرة قرون
باستثناء تلك الشذرات التي لمعت في الاندلس وفي مراحل من العصر العباسي
التي جسدتها رسوم الواسطي.
الا ان سيطرة الدولة العثمانية كان ايذانا بانتشار الفنون التي اقتبستها من
اوربا وكانت مصر من ابرز البلدان الخاضعة للولاية العثمانية التي انتشرت
فيها التماثيل في الساحات والميادين والرسوم في قصور الولاة كما هو الحال
في بغداد ودمشق.
وقد يكون (ابو الهول) اكثر التماثيل تعرضا للسخط من قبل العامة من الناس
منذ القرن السابع الهجري ولو قدر لاعدائه ان يزيلوه من الوجود لما تأخروا
لحظة واحدة ولكن لم تكن لديهم من الاسباب ما يستطيعون بها ازالته.ولم تكن
محاربة الصوروالتماثيل في ذلك الوقت وقفا على العالم الاسلامي بل انتقلت
الى العالم المسيحي في اواسط القرن الثامن بفضل جماعة من الاحبار
اليونانيين الذين اعتبروها مظهرا من مظاهر الوثنية واستجاب لذلك بعض
الاباطرة مثل (ليون الثالث) فجردت الكنائس في القسطنطينية من صورها
وتماثيلها المقدسة واتلف الكثير منها او اخفيت، لكن ذلك لم يدم طويلا حتى
جاء القرن التاسع فاحتفل الناس باعادة الصور والتماثيل الى الكنائس واعتبر
يوم عودتها من الاعياد الارثوذوكسية.
ومع ان العرب قاموا بتحطيم الاصنام بعد ظهور الاسلام الا ان التاريخ يذكر
بان اقامة التماثيل للشخصيات المهمة عند قدماء العرب ظاهرة موجودة فالمأثور
انهم قاموا بصنع بعض التماثيل لتخليد ذكرى من اشتهروا من رجالهم ثم انتهى
الامر الى تقديسها وعبادتها، كما ذكر ذلك في كتاب الاستاذ احمد تيمور (خيال
الظل واللعب والتماثيل المصورة عند العرب) حيث ذكر ان بعض هذه الاصنام كانت
تماثيل لقوم صالحين اقيمت لهم في مجالسهم وسميت باسمائهم فلما طال العهد
باصحابها اتخذت كآلهة تعبد من دون الله كاصنام قوم نوح وكان مالك الملقب
بناشر النعم وهو احد ملوك اليمن كان اول من اقام التماثيل على الاعمدة في
الطرقات حيث كان بعضها يصنع من المعدن.
ومع ان (ريجو) عضو المجمع العلمي في القاهرة الذي جاء مع الحملة الفرنسية
قد وافق على تصوير بعض العلماء والاعيان المصريين انذاك الا ان النفور
المجتمعي كان واضحا في ذلك الحين، حتى ان عبد الرحمن الجبرتي ابدى اعجابه
بتلك الصور في قسم الرسم والتصوير بالمجمع وعلى عكس ما كان في تركيا كان
التصوير شائعا في ايران حتى انها شملت رسم بعض الشخصيات الاسلامية الكبيرة
كالامام علي والحسين وسواهما ولان السلطات العثمانية كانت تمنع التصوير فقد
كانت اسماء السلاطين العثمانيين بخط الطغراء توضع على النقد بدل الصورة
التي رفضتها قطاعات واسعة من الناس، حتى صار الطغراء بالنسبة لكثير من
مسلمي الدولة العثمانية وخاصة رعايا روسيا والحبشة وغيرهما يعتبر رمزا
مقدسا يتباركون به.
ففي تركيا والسودان واليمن والحجاز كانوا ينفرون من الصور ويذكر العقاد بان
والده كان ينظر الى الصور بانها الاعيب فارغة لا تليق بالعقلاء الا ان
القرون الثلاثة الاخيرة شهدت طفرة كبيرة في تقدم فن التصوير والتماثيل وكان
للشيخ محمد عبده موقف شجاع في مواجهة حملة التخلف ضد الصور والتماثيل حيث
اباح وزميله عبد العزيز جاويش بفتاوى صريحة اباحة التصوير ونشره وكذلك
الشيخ محمد بخيت مفتي الديار المصرية له فتوى مماثلة نشرها في كتيب بعنوان
(الجواب الشافي في اباحة التصوير الفوتوغرافي).وهكذا نجد ان العلم
بمخترعاته واكتشافاته اجتاح كل البلاد والمجتمعات فلم يعد للفتاوى القديمة
اي معنى في منع التصوير واقامة النصب والتماثيل في الشوارع والساحات العامة
وبيوت الناس الى الحد الذي كانت هناك الكثير منها ما يبيح تلك الاكتشافات
التي دخلت في كل مفاصل الحياة بل واصبحت من ضروراتها في معظم الاحيان.
آفاق الواقع التجاري
والصناعي في العراق
فاضل
طلال القريشي
في ظل عولمة القرن الحادي والعشرين افكار الرأسمالية وحرية التجارة واحدة من
نتاجات العولمة، والصندوق الدولي، والبنك الدولي التي تسيطر على الاقتصاد
العالمي سواء في الاقتصاد، والخلافات بين الدول من حيث القيود والكمية
وسياسة الاغراق لاسباب سياسية واجتماعية واحتكار السوق، والصراع بين الدول
الصناعية على الاسواق.فالثروة النفطية ازمة تؤدي الى ركود اقتصادي وتقسيم
الكعكة مع الدول الصناعية، حيث لا يوجد في الدول النامية وخاصة في العراق
اي اختراع او تقدم خطوة الى الامام، لكن استفادة الدول المتقدمة من
الكفاءات العراقية، حيث استنزفت كفاءاتها، فالدول النامية اتكالية على
الصناعات الرديئة من دول ذات منشأ رديء.وان دخول الاستثمار الاجنبي في
تطوير النبى التحتية، يمارس لاغراض سياسية في بعض الاحيان، ويمكن ان يكون
استثماراً مباشراً في الزراعة والصناعة او غير مباشر في البورصة، فالازمات
داخل العراق يجب ان تنظم بشكل واعٍ.فليس هناك علاقات مشتركة وانما مصالح
مشتركة.. فاحداث تنمية بشرية واقتصادية في كل القطاعات، فالقوة الاقتصادية
تعطيها القوة السياسية بحيث لا يكون هناك اتساع الفجوة بين الفقراء
والاغنياء وذات اثار سلبية. الاسعار ترتفع والبرامج كلفها عالية، وتخوف من
ارتفاع التكاليف وغسيل الاموال القذرة غير الشرعية. عليه من مصلحة العراق
ان ينضم الى منظمة التجارة العالمية، ليكون عضوا فاعلا وايجابيا في المجتمع
الدولي، وسيسهم انضمامه في استقرار الوضع فيه ويسرع من نموه الاقتصادي
وللاستفادة من تجاربهم، وان يكون قائماً على المشاريع الصناعية الصغيرة
المتوسطة التي تحد من مشكلة البطالة، وتحسين الوضع الاقتصادي ليبعث على
الاطمئنان في بيئة غير مستقرة.
او بالاصح في وضع امني غير مستقر.يعتمد العراق على الايرادات النفطية 93% (ريعية)
الاستفادة من الفرص في سياسات الاصلاح او سياسات الاعمار، والحد من سياسات
الفساد الاداري والمالي الذي يقوض اعادة الاعمار في البلد، عليه نحتاج الى
استثمار مباشر في دعم الاقتصاد الوطني، الذي يحمي الصناعيين في البلد،
وهجرة العقول الى الخارج، نزيف الكفاءات والمساهمة في البحث العلمي، وتخصيص
المبالغ لذلك، والا فالاثار السلبية تشمل كل الصناعات والزراعية وغيرها،
والعراق مستورد للتكنولوجيا التي تكلف مبالغ طائلة وربما تكون تكنولوجيا
قديمة، او استيراد الادوية من دول رديئة الصنع تغزو اسواقنا، وبالتالي اصبح
بلدنا سوقا واعدة للموبايل والانترنيت.. الخ، وقد نخسر كثيرا بسبب الاحتكار
للدول الصناعية المتقدمة لذا عليه العمل في رأس المال المنظم ودعم الصناعة
العراقية، ومعالجة المشكلة الامنية لها في استقرار سياسي واقتصادي، واصدار
قانون لحماية الصناعة، ودعم القطاع الخاص وعدم تهميشه ، وايجاد وسائل حديثة،
وتهيئة بيئة علمية للعلماء والخبراء، وتحسين المستوى المعيشي المتدهور،
ودعم البحث العلمي فيما يتعلق بالصناعات العراقية، وتنمية القدرات البشرية
المستدامة ومواءمة الخريجين مع سوق العمل فالادارة هي اولا اننا لا نمتلك،
الادارية الحقيقية، والمشكلة ليست في حجم الموازنة بل في توظيفها بشكل ناجح
بعيدا عن الفساد الاداري والمالي وقلة الخبرات مشددين على اهمية تشكيل لجان
متابعة مركزية عن سلامة الاداء والتركيز على انجاز مشاريع تتطلب فرص عمل
وتحويل العاطلين الى منتجين فالامن لا يتحقق الا بالاقتصاد او بالرفاه
الاجتماعي للفرد العراقي. فالاموال هي العصا السحرية القادرة على اذابة
جليد التعنت السياسي. فالاقتصاد والرفاهية هي التي تجمع الشعب ولا يتحقق
ذلك بالدبابة.
فالطبقة الصناعية دعها تعمل، ودعها تمر، لنكون متفائلين بالغد فان مذهب
الحرية الاقتصادية الشهير في حكومة نيابية تصون وتحفظ المصالح الاقتصادية
والفردية والتي تقوم على المنافسة، والعمل على وجود تشريعات تنظم عمليات
الاستيراد والتصدير، فضلا عن انعدام الرقابة التجارية على البضائع
المستوردة واستغلال ضعاف النفوس لحالة الفوضى، وعدم جدية الوزارة في
الاضطلاع بدورها الرقابي، وعدم تدخل الحكومة يعني ايذانا في استمرار حالة
التخبط التي يعاني منها الاقتصاد العراقي.
|
عن بوذا ومغارته
وتماثيله !
سعيد
الهزار
تماثيل بوذا هائلة الحجم وبعضها الاخر صغير في الحجم المنمنمات وفي جميعها
يقضي التقليد ان يكون بوذا وسط تلاميذه مهما تغيرت الاوضاع المستوحاة من
حياته وتعاليمه والى جانبه يقف على الدوام (اناندا وكاسيابا) الاول مسن
والثاني شاب وفي عام 1951 تاسست جمعية هدفها المحافظة على مغاور لويانغ
والعام 1961 قررت السلطات البدء باعمال ترميم واسعة للمغاور واعتبارها من
ضمن التراث وهناك (12) مغارة صالحة للزيارة خاصة في الربيع والخريف حين
يكون الطقس معتدلاً . لم تعد عجائب الدنيا السبع عجائباً وحسب فكل يوم تبرز
اعجوبة وباب التنين او مغاور لونغ مين في مقاطعة لويانغ الصينية تهرع الى
صف العجائب وتاخذ مكانها بلا عناء كبير وهناك كتابات تؤرخ ابتداء من القرن
الخامس حتى القرن السابع مواعيد الشروع في حفر المغاور والتماثيل المنحوتة
في الصخر الابيض والاسمر كلها تحمل مدلولات دينية وخاصة بوذية والواضح ان
السبب من حفرها كان من قبيل الزكاة او النذور فالاباطرة والامراء والاميرات
واعيان المنطقة حتى ابناء الشعب اعتبروا حفر تماثيل بوذا وحاشيته من
القرابين المشكورة وعاش هذا الاعتقاد قروناً خلالها تحول التلال الصخرية في
منطقة لويانغ الى هياكل رائعة وعلى قدر كبير من الضخامة .
والمعروف في تاريخ الصين ان اباطرة سلالة (الواي) حافظوا على البوذية
واكثروا من بناء المزارات والهياكل ففي عهودهم جرى حفر ثمانية مغاور , ثم
جاء اباطرة (تانغ) وحفروا مغارتين ثم حكم اباطرة (صينغ) حيث ذهب الشاعر
الصيني القديم (توفو) للزيارة وكتب قصائد هي الان من التراث الكلاسيكي
الصيني . في المغارو الاولى , وتدعى (كيان تي سي) تمثالاً للبوذا في وضع
التبشير وحوله تلاميذه وعيونهم تحدق في الارض علامة الخشوع وفي المغارة
الثانية (بينغ يانغ) يبدو السقف مقسوماً الى لونين , فاتح وغامق وتمثال
البوذا هائل يبلغ طوله عشرة امتار وهو ايضاً في وضع التبشير , في المغارة
الثالثة (بين يانغ) مجموعة من التماثيل تصور حقبة اباطرة (الواي) وخاصته
الامبراوطور (اودي) الذي شاء تكريم والديه ويبلغ ارتفاع البوذا هنا ثمانية
امتار ونصف المتر كما تزين السقف زهرة لوتس رائعة وصخمة حولها عازمتان
طائرتان على اله موسيقية صينية قديمة في المغارة الرابعة اسود رمزية واربعة
تلاميذ وهي تصور بداية النهاية بالنسبة الى حكم (الواي) اما مغارة (جين شان
سي) كاملة تماثيلها معرضه للهواء الطلق وتصور البوذا مع اربعة من تلاميذه
وهناك مغارة (والغ دونغ) المعرفة باسم مغارة الالف بوذا . اما في المغارة
التاسعة فاسدان يحملان حجامر البخور وكان يلجأ الى هذه المغارة النساك
والرعاة والمغارة العاشرة وهي الاهم ويدعوها الصينيون (معبد فون كسيان)
ويبلغ طول البوذا فيها (17) متراً ارتفاع رأسه اربعة امتار هادئ مغمض
العينين .
الاستثمار الاعلامي
كاظم
موسى
مر الاعلام بمراحل تطور عديدة عبر عقود الزمن المنصرمة. وامسى علما يدرس في
المعاهد والجامعات وينطوي على اسس وركائز واساليب عمل متطورة تواكب حركة
الزمن وتتماشى مع الحاجات الانسانية المتصاعدة لذلك العلم.
فالاعلام سلاح ذو حدين كباقي العلوم، ففي حال الاستخدام المثمر له تتولد
عنه حالة ايجابية تخدم حركة المجتمع في محصلتها النهاية والعكس معلوم.
فالمدنية المعاصرة اضفت على الاعلام طابع التوسع والانتشار بات معه تصاعد
الحاجة له واستحالة الاستغناء عنه، بعد التدفق الهائل للمعلومات وتوسع
مجالات المعرفة، التي دفعت بدورها الى تطور وسائل الاعلام وتنوعها.
فالى جانب الدور الخطير الذي تلعبه تلك الوسائل في توجيه الرأي العام ودفعه
صوب اتخاذ قرارات محددة، يعد الاعلام مجالا خصبا للاستثمار المالي اذ يجذب
اعداداً متزايدة من العمالة بشقيها الماهرة وغير الماهرة الى جانب تحريك
مفاصل الانشطة الاقتصادية الساندة، كقطاع الطباعة والنقل والخزن والاجهزة
والمعدات وملحقاتها ما يجعل منه وسيلة لكسب الارزاق لاعداد غفيرة من تلك
العمالة، ما يعني مساهمة فاعلة في تدوير الاموال (الاستثمار) الناجح وتدوير
عجلة الانشطة الاقتصادية المحلية وقد يتعدى ذلك الى المساهمة في تطوير
الاقتصاد الوطني عبر الموارد المتحصلة من تصدير نتاج اجهزة الاعلام
المختلفة مرئية ومسموعة ومقروءة ففي الولايات المتحدة تسهم اجهزة الاعلام
بنسبة 3% من موارد الدخل القومي عبر تصدير نتاجاتها من مطبوعات وافلام
وبرامج ومسلسلات بواقع (23) مليار دولار سنويا عبر نحو (21) الف محطة اذاعة
وتلفاز الى جانب اصدارات الصحافة السياسية والاجتماعية والاقتصادية وهذا
يعني زج مئات الاف العاملين في تلك الانشطة وتزويدهم بمهارات عديدة.
فالاستثمار الاعلامي في العراق ذو افاق رحبة وينتظر المبادرة والدعم في ظل
اجواء الحرية والانفتاح على الثقافات الاخرى وذلك لا يعني الاهتمام بالجانب
المادي وحسابات الربح والخسارة على حساب المعايير المهنية التي يتوجب
الالتزام بها من لدن تلك الاجهزة فالبون شاسع بين الحرية والفوضى، فالحرية
في العمل الاعلامي تعني مسؤولية كبيراً تطوق اعناق الاعلاميين خاصة في
مرحلة دقيقة كالتي يمر بها المجتمع العراقي اذ يراد للجهود المزيد في عملية
مركبة عملية هدم للمفاهيم الخاطئة وترسيخ وتطوير للصحيحة منها صوب الافضل
للمجتمع الذي ينتظر من الاعلام مساهمة فاعلة في التخلص من الكبوات والتوجه
صوب البناء.
فالمستثمر الناجح هو الاعلامي البارع الذي يعرف كيف يوظف المعلومة ويداعب
المسامع والانظار ويرفد الافئدة بالافكار والعبر والفوائد.
التلفيق ولعبة
الكواليس
عباس
لطيف
من الظواهر المريرة والمكتظة بالغصة ان يتقافز الملفقون كالوطاويط في عالم
شائك وملتبس، ففي كل ميادين الحياة وحقول التزاحم تجد الفارغين يتطاوسون،
بينما يجلس الحقيقيون على تل (كودو) الذي لا يأتي، الفارغون وحدهم ولانهم
بلاوزن يستطيعون الطيران الى اية زاوية وعلى اي مستوى من خطوط العرض والطول،
ولانهم يملكون وجوها شجاعة ومضامين وقلوبا ضعيفة، وتلك خاصية تجعلهم يدسون
انوفهم في كل عزاء ومأدبة. في السياسة تجد الحقيقيين والصادقين يسقطون
مترنحين تحت ضربات الاقصاء والتهميش وتنزوي الفكرة المتوهجة والشجاعة
والمثمرة تحت ركام الشعارات الفارغة واطنان الخطب الحماسية الجوفاء، وتلك
الشعارات تتبخر ما ان يصل عشاق السلطة الى دست الحكم ويتحول الضحية الى
جلاد وفق القانون السايكولوجي القائم على قاعدة (التماهي بالمتسلط)، فالذي
يعاني القمع والاقصاء والاستلاب يحاول في اللاشعور ان يمارس القسوة التي
عاناها على شكل تصدير هذه القسوة باتجاه الاخر الواقع تحت سطوته وسلطته.في
التاريخ يتكرر التلفيق وفي الثورات وفي المنعطفات الفكرية والفلسفية وحتى
النظريات العلمية تتعرض الى الهدم والاندثار والنسخ والتبديل.
حين خرجت شعوب اوروبا الشرقية من معطف دكتاتورية الشيوعية صرخت وهي تشاهد
جدار برلين يتهاوى تحت ضربات الحتمية التاريخية صرخت بانها كانت حبيسة
الوهم وسجينة التلفيق الشمولي و(الحتمية) التي بشر بها كارل ماركس ولم تصمد
في اول ارهاصاتها، فلقد امن صاحب رأس المال بان الثورة ستندلع في بلد
الصناعة والعمال والصراع الطبقي، ولم يكن يتصور بان المعجزة ستقع في روسيا
القيصرية والصين الفلاحية، وخرجت الشعوب وهي تصرخ ازاء الوهم السلوفيني
الذي يغلف العقول ويحيل الاجساد الى مجرد ارقام حكومية في اقفاص المؤسسات
الكليانية.فما السبيل الى دحر التلفيق الذي يتسرب ويتكرر مع دورة الحياة
والوجود والتاريخ، وفي المرة الثانية يكون اكثر مهزلة موغلا في الشحوب
والهشاشة والهزال، وهل كتب على الحقيقة ان تكابد العزلة والاقصاء والتستر
في حين يحفل الخطاؤون بولائم الحضور المتكلس، ولماذا ظهر الطغاة والمارقون
كهتلر وفرانكو وبينو شيت وموسليني، وما الذي يجعل الحقيقيين يتحولون الى
كائنات حلمية تجتر الاحلام والاماني والمشاريع الطوباوية والميتافيزيقية،
والتجوال بين المدن المفترضة والفاضلة، بينما يصول المزيفون والطارئون
ليسدوا بهاء المشهد وينشروا قيم الحرائق والخراب والزيف مع سبق الاصــــرار
.
|